فصل: بَابُ الِاسْتِيلَادِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير للعاجز الفقير



.بَابُ التَّدْبِيرِ:

(إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِمَمْلُوكِهِ إذْ مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ قَدْ دَبَّرْتك فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحٌ فِي التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ إثْبَاتُ الْعِتْقِ عَنْ دُبُرٍ.
الشَّرْحُ:
(بَابُ التَّدْبِيرِ).
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْعِتْقِ الْوَاقِعِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْعِتْقِ الْوَاقِعِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَوَجْهُ التَّرْتِيبِ ظَاهِرٌ، وَهَذَا أَحْسَنُ مِمَّا قِيلَ فِيهِ إنَّهُ مُقَيَّدٌ وَالْمُقَيَّدُ مُرَكَّبٌ، وَهُوَ بَعْدَ الْمُفْرَدِ؛ لِأَنَّ مَسَائِلَ بَابِ الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ كُلِّهِ كَذَلِكَ فَإِنَّهَا تَقْيِيدٌ لِلْعِتْقِ بِشَرْطٍ غَيْرِ الْمَوْتِ، كَمَا أَنَّ التَّدْبِيرَ تَقْيِيدُهُ بِشَرْطِ الْمَوْتِ وَلَمْ يُؤَخِّرْهَا إلَى هَاهُنَا، ثُمَّ التَّدْبِيرُ لُغَةً النَّظَرُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ.
وَشَرْعًا الْعِتْقُ الْمُوقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ فِي الْمَمْلُوكِ مُعَلَّقًا بِالْمَوْتِ مُطْلَقًا لَفْظًا أَوْ مَعْنًى وَشَرْطُهُ الْمِلْكُ فَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ الْمُكَاتَبِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ فَإِنَّهُ مَالِكٌ يَدًا، وَلَا مَعْنًى فِي التَّحْقِيقِ لِقولهِمْ مَالِكٌ يَدًا، بَلْ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ مِلْكُهُ مُتَزَلْزِلٌ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ مَالِكٌ شَرْعًا لَكِنَّهُ بِعَرْضٍ أَنْ يَزُولَ بِتَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّ بَعْضَ آثَارِ الْمِلْكِ مُنْتَفٍ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ نَفْيَ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ كَمِلْكِ الْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ فَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: فَأَمَّا السَّكْرَانُ وَالْمُكْرَهُ فَتَدْبِيرُهَا جَائِزٌ عِنْدَنَا كَإِعْتَاقِهِمَا، وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ أَوْ الْمُكَاتَبُ إذَا أُعْتِقْتُ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ حُرٌّ فَعَتَقَ فَمَلَكَ مَمْلُوكًا عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ لَهُ قول مُعْتَبَرٌ، وَقَدْ أَضَافَ الْعِتْقَ إلَى مَا بَعْدَ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ لَهُ فَيَصِحُّ وَيَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ الْمِلْكِ كَالْمُنْجِزِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ إلَى خَمْسِينَ سَنَةً فَهُوَ حُرٌّ فَعَتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ فَمَلَكَ لَا يُعْتَقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَا: يُعْتَقُ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ هُوَ فِي تَدْبِيرِ الْمَالِكِ أَمَّا الْوَكِيلُ فَلَا.
فِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ قَالَ لِصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ دَبِّرْ عَبْدِي إنْ شِئْت فَدَبَّرَهُ جَازَ، وَهَذَا عَلَى الْمَجْلِسِ لِتَصْرِيحِهِ بِالْمَشِيئَةِ وَنَظِيرُهُ فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ.
وَإِذْ قَدْ أَنْجَزَ الْكَلَامَ إلَى الْوَكَالَةِ فَهَذَا فَرْعٌ مِنْهُ.
قَالَ لِرَجُلَيْنِ دَبِّرَا عَبْدِي فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا جَازَ، وَلَوْ جَعَلَ أَمْرَهُ فِي التَّدْبِيرِ إلَيْهِمَا بِأَنْ قَالَ جَعَلْت أَمْرَهُ إلَيْكُمَا فِي تَدْبِيرِهِ فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُمَا هَذَا التَّصَرُّفَ فَلَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا مُعَبِّرَيْنِ عَنْهُ، وَعِبَارَةُ الْوَاحِدِ وَعِبَارَةُ الْمُثَنَّى سَوَاءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ يَنْهَاهُمَا قَبْلَ أَنْ يُدَبِّرَاهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي جَعْلِ الْأَمْرِ إلَيْهِمَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قولهُ: (إذَا قَالَ الْمَوْلَى لِمَمْلُوكِهِ إذَا مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي أَوْ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ وَقَدْ دَبَرْتُك صَارَ مُدَبَّرًا)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ صَرِيحٌ فِي التَّدْبِيرِ، فَإِنَّهُ أَيْ التَّدْبِيرَ إثْبَاتُ الْعِتْقِ عَنْ دُبُرٍ.
وَهَذِهِ تُفِيدُ ذَلِكَ بِالْوَضْعِ فَأَفَادَ أَنَّ كُلَّمَا أَفَادَ إثْبَاتَهُ عَنْ دُبُرٍ كَذَلِكَ فَهُوَ صَرِيحٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ.
الْأَوَّلُ: مَا يَكُونُ بِلَفْظِ إضَافَةٍ كَبَعْضِ مَا ذَكَرْنَا وَمِنْهُ إنْ حَرَّرْتُك أَوْ أَعْتَقْتُك أَوْ أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُحَرَّرٌ أَوْ عِتْقٌ أَوْ مُعْتَقٌ بَعْدَ مَوْتِي.
وَالثَّانِي مَا يَكُونُ بِلَفْظِ التَّعْلِيقِ كَإِنْ مِتَّ أَوْ إذَا مِتَّ أَوْ مَتَى مِتَّ أَوْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ أَوْ حَادِثٌ فَأَنْتَ حُرٌّ وَتُعُورِفَ الْحَدَثُ وَالْحَادِثُ فِي الْمَوْتِ، وَكَذَا أَنْتَ حُرٌّ مَعَ مَوْتِي أَوْ فِي مَوْتِي فَإِنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعَ وَفِي تُسْتَعَارُ فِي مَعْنَى حَرْفِ الشَّرْطِ، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ إذَا قَالَ أَنْتَ مُدَبَّرٌ بَعْدَ مَوْتِي يَصِيرُ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ اسْمٌ لِمَنْ يَعْتِقُ عَنْ دُبُرِ مَوْتِهِ فَكَانَ هَذَا وَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي سَوَاءً، وَكَذَا أَعْتَقْتُك أَوْ حَرَّرْتُك بَعْدَ مَوْتِي.
وَالثَّالِثُ: مَا يَكُونُ بِلَفْظِ الْوَصِيَّةِ كَأَوْصَيْتُ لَك بِرَقَبَتِك أَوْ بِنَفْسِك أَوْ بِعِتْقِك، وَكَذَا إذَا قَالَ أَوْصَيْت لَك بِثُلُثِ مَالِي فَتَدْخُلُ رَقَبَتُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ مَالِهِ فَيَعْتِقُ ثُلُثُ رَقَبَتِهِ.
وَفِي الْكَافِي: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ مُدَبَّرٌ أَوْ عَتِيقٌ يَوْمَ يَمُوتُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا، وَالْمُرَادُ بِالْيَوْمِ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ قَرَنَ بِهِ مَا لَا يَمْتَدُّ، وَلَوْ نَوَى النَّهَارَ فَقَطْ لَا يَكُونُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ لَيْلًا.
يَعْنِي فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ حَتَّى مَاتَ عَتَقَ كَالْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ صَرَائِحُ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي الشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ «فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ تُوُورِثَتْ بِلَا شُبْهَةٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَلَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَمَوْتِ فُلَانٍ فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ مُطْلَقٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ عِتْقُهُ بِمَوْتِهِ مُطْلَقًا، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ فُلَانٍ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَتِمَّ فَصَارَ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ، وَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ، وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ أَوَّلًا يَصِيرُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ كَمَا لَوْ قَالَ إذَا كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَكَلَّمَهُ أَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ كَلَامِك فُلَانًا أَوْ بَعْدَ مَوْتِي فَإِذَا كَلَّمَ فُلَانًا صَارَ مُدَبَّرًا.
وَلَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِي إنْ شِئْت يَنْوِي فِيهِ، فَإِنْ نَوَى الْمَشِيئَةَ السَّاعَةَ فَشَاءَ الْعَبْدُ سَاعَتَهُ فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِوُجُودِ شَرْطِ التَّدْبِيرِ فَيَصِيرُ مُدَبَّرًا، وَإِنْ نَوَى الْمَشِيئَةَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى فَشَاءَ الْعَبْدُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ حُرٌّ بِوُجُودِ الشَّرْطِ لَا بِاعْتِبَارِ التَّدْبِيرِ.
وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقول: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ هُنَا إلَّا بِإِعْتَاقٍ مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ الْوَصِيِّ بِمِثْلِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْتِقْ بِنَفْسِ الْمَوْتِ صَارَ مِيرَاثًا فَلَا يَعْتِقُ بَعْدَهُ إلَّا بِإِعْتَاقٍ مِنْهُمْ وَيَكُونُ هَذَا وَصِيَّةً يَحْتَاجُ إلَى تَنْفِيذِهَا، كَمَا لَوْ قَالَ أَعْتَقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي إنْ شَاءَ وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِإِعْتَاقٍ مِنْهُمْ بَعْدَ الشَّهْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ وَكَذَا بِيَوْمٍ.
وَفِي الْإِسْبِيجَابِيِّ: إذَا لَمْ يَعْتِقْ إلَّا بِإِعْتَاقِ الْوَارِثِ أَوْ الْوَصِيِّ فَلِلْوَارِثِ أَنْ يُعْتِقَهُ تَنْجِيزًا أَوْ تَعْلِيقًا، وَالْوَصِيُّ لَا يَمْلِكُهُ إلَّا تَنْجِيزًا، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ عَتَقَ عَنْ الْمَيِّتِ دُونَ الْكَفَّارَةِ.
وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفَصَّلَ فِي التَّعْلِيقِ فَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ أَوْ بِمُضِيِّ زَمَانٍ طَوِيلٍ أَوْ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ وَهُوَ مِمَّا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَعَسَّرُ لَا يَلْزَمُ الْعَبْدَ تَوَقُّفُهُ عَلَيْهِ، بَلْ إنْ شَاءَ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي لِيُنْجِزَ عِتْقَهُ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الْجَوَابِ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الْمَشِيئَةِ مِنْ الْعَبْدِ فِي مَجْلِسِ مَوْتِهِ أَوْ عِلْمِهِ بِمَوْتِهِ كَمَا يَتَقَيَّدُ بِهَذَا مَشِيئَتُهُ فِي حَيَاتِهِ بِمَجْلِسِ التَّفْوِيضِ إلَيْهِ إذَا كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَتَوَقَّفُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْوَصِيَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْوَصِيَّةِ الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ.
وَفِي الْأَصْلِ: لَوْ قَالَ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ؛ لِأَنَّهُ مَا عَلَّقَهُ بِمُطْلَقِ الْمَوْتِ بَلْ بِمُضِيِّ يَوْمٍ بَعْدَهُ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَمَّى حَتَّى يُعْتِقَهُ الْوَرَثَةُ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ الْأُولَى فَقَالَ: إذَا أَخَّرَ الْعِتْقَ عَنْ مَوْتِهِ بِزَمَانٍ مُمْتَدٍّ بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ وَتَقَرَّرَ مِلْكُ الْوَارِثِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْأَمْرُ بِإِعْتَاقِهِ فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُعْتِقُوهُ، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ فَإِنَّهَا تَتَّصِلُ بِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ بِمَوْتِ الْمَوْلَى قَبْلَ تَقَرُّرِ الْمِلْكِ لِلْوَارِثِ فَيَعْتِقُ بِإِعْتَاقِ الْمَوْلَى، وَلَا تَدْعُو إلَى إعْتَاقِ الْوَارِثِ، وَهَذَا إنْ تَمَّ أَشْكَلَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِأَلْفٍ، فَإِنَّ زَمَنَ الْقَبُولِ كَزَمَنِ الْمَشِيئَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُوَصَّلَ بِمَوْتِ الْمَوْلَى أَوْ بِعِلْمِهِ بِمَوْتِهِ.
لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ الْعَبْدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَتِلْكَ بَاقِيًا عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْمَيِّتِ لِحَاجَتِهِ إلَى نَفَاذِ إيجَابِهِ وَثُبُوتِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْقَبُولَ غَيْرُ مَعْلُومٍ يُدْفَعُ بِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ.
وَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِهِ يَلْزَمُ إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِمْ بَعْدَ الدُّخُولِ وَاسْتِصْحَابُ الْمِلْكِ الْأَوَّلِ أَسْهَلُ مِنْ رَفْعِهِ، ثُمَّ إدْخَالُهُ فِي مِلْكِ شَخْصٍ ثُمَّ إخْرَاجُهُ عَنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى لِحَاجَتِهِ.
ثُمَّ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ هُنَا يَقَعُ هُنَا يَقَعُ مَجَّانًا فَوَجَبَ عِتْقُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى.
لِأَنَّا نَقول: لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَزِمَ فِي أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَجِيءَ الْيَوْمِ بَعْدَهُ مَعْلُومٌ غَيْرُ مَشْكُوكٍ، وَهِيَ مِنْ مَوَاضِعِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا بِإِعْتَاقِهِمْ.

متن الهداية:
(ثُمَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا إلَى الْحُرِّيَّةِ) كَمَا فِي الْكِتَابَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَمْتَنِعُ بِهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ وَكَمَا فِي الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ وَهِيَ غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَلَنَا قولهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «الْمُدَبَّرُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ الثُّلُثِ» وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَا سَبَبَ غَيْرَهُ؛ ثُمَّ جَعَلَهُ سَبَبًا فِي الْحَالِ أَوْلَى لِوُجُودِهِ فِي الْحَالِ وَعَدَمِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ؛ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَالُ بُطْلَانِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَلَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إلَى زَمَانِ بُطْلَانِ الْأَهْلِيَّةِ، بِخِلَافِ سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ السَّبَبِيَّةِ قَائِمٌ قَبْلَ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ وَالْيَمِينُ مَانِعٌ وَالْمَنْعُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَأَنَّهُ يُضَادُّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَأَمْكَنَ تَأْخِيرُ السَّبَبِيَّةِ إلَى زَمَانِ الشَّرْطِ؛ لِقِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ عِنْدَهُ فَافْتَرَقَا؛ وَلِأَنَّهُ وَصِيَّةُ خِلَافَةٍ فِي الْحَالِ كَالْوِرَاثَةِ وَإِبْطَالُ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ، وَفِي الْبَيْعِ وَمَا يُضَاهِيهِ ذَلِكَ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (ثُمَّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) أَيْ الْمُدَبَّرُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ الَّذِي عُلِّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَلَا هِبَتُهُ، وَلَا إخْرَاجُهُ عَنْ مِلْكِهِ إلَّا إلَى الْحُرِّيَّةِ بِلَا بَدَلٍ أَوْ بِكِتَابِهِ أَوْ عَتَقَ عَلَى مَالٍ، وَمَا سِوَاهُ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لَا تُبْطِلُ حَقَّهُ فِي الْحُرِّيَّةِ يَجُوزُ، فَيَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُ وَإِجَارَتُهُ وَأَخْذُ أُجْرَتِهِ وَتَزْوِيجُ الْمُدَبَّرَةِ وَوَطْؤُهَا وَأَخْذُ مَهْرِهَا وَأَرْشُ جِنَايَتِهَا، وَعَلَّلَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي بِقولهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ، وَبِهِ تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَهُ؛ لِفَوَاتِ شَرْطِ عَقْدِ الرَّهْنِ وَهُوَ ثُبُوتُ يَدِ الِاسْتِيفَاءِ مِنْ مَالِيَّةِ الْمَرْهُونِ بِطَرِيقِ الْبَيْعِ، وَلَا مَالِيَّةَ لِلْمُدَبَّرِ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَلَيْسَ عَلَى الْمَوْلَى فِي جِنَايَاتِ الْمُدَبَّرِ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَا مَنَعَ إلَّا رَقَبَةً وَاحِدَةً، وَأَمَّا مَا اسْتَهْلَكَهُ فَدَيْنٌ فِي رَقَبَتِهِ يَسْعَى فِيهِ، وَعُرِفَ مِنْ هَذَا أَنْ لَيْسَ لِلْمَوْلَى دَفْعُهُ بِالْجِنَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَرْشِ، وَفِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمُدَبَّرِ مَا فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْمَمَالِيكِ؛ لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ بَعْدَ التَّدْبِيرِ.
وَاسْتُشْكِلَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى مَا إذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَلَهُ مَمَالِيكُ وَاشْتَرَى مَمَالِيكَ ثُمَّ مَاتَ فَإِنَّهُمْ يُعْتَقُونَ فَكَانَ عِتْقُهُمْ مُعَلَّقًا بِمُطْلَقِ مَوْتِ السَّيِّدِ.
ثُمَّ إنَّهُ لَوْ بَاعَ الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ صَحَّ، وَلَمْ يَدْخُلُوا تَحْتَ الْوَصِيَّةِ بِالْعِتْقِ إلَّا عِنْدَ الْمَوْتِ.
أُجِيبَ بِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْدُومِ تُعْتَبَرُ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْإِيجَابِ، حَتَّى لَوْ أَوْصَى لِوَلَدِ فُلَانٍ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فَمَاتَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بَطَلَ ثُلُثُ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَنَاوَلَتْهُمْ بِعَيْنِهِمْ فَبَطَلَ بِمَوْتِ أَحَدِهِمْ حِصَّتُهُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَوُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمْ ثُمَّ مَاتَ الْمُوصِي كَانَ الْكُلُّ لِلِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّالِثَ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ لِكَوْنِهِمْ مَعْدُومِينَ عِنْدَ الْإِيجَابِ فَتَنَاوَلَتْ مَنْ يَكُونُ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَوْتِ.
قولهُ: (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ) لِلْمَنْقول وَالْمَعْنَى.
أَمَّا الْمَنْقول فَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَبَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ أَرْسَلَ بِثَمَنِهِ إلَيْهِ».
وَفِي لَفْظٍ «أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَكَانَ مُحْتَاجًا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ فَقَالَ: اقْضِ دَيْنَكَ وَأَنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ» وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا أَلْفَاظٌ كَثِيرَةٌ.
وَرَوَى أَبُو حَنِيفَةَ بِسَنَدِه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ الْمُدَبَّرَ» وَفِي مُوَطَّإِ مَالِكٍ بِسَنَدِهِ إلَى عَائِشَةَ «أَنَّهَا مَرِضَتْ فَتَطَاوَلَ مَرَضُهَا فَذَهَبَ بَنُو أَخِيهَا إلَى رَجُلٍ فَذَكَرُوا لَهُ مَرَضَهَا فَقَالَ: إنَّكُمْ تُخْبِرُونِي عَنْ امْرَأَةٍ مَطْبُوبَةٍ، قَالَ: فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهَا سَحَرَتْهَا وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا فَدَعَتْهَا ثُمَّ سَأَلَتْهَا مَاذَا أَرَدْت؟ قَالَتْ: أَرَدْت أَنْ تَمُوتِي حَتَّى أُعْتَقَ، قَالَتْ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ تُبَاعِي مِنْ أَشَدِّ الْعَرَبِ مَلَكَةً، فَبَاعَتْهَا وَأَمَرَتْ بِثَمَنِهَا فَجُعِلَ فِي مِثْلِهَا» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَا رُوِيَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَرَقَ فِي دَيْنِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقولهِ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ}» ذَكَرَهُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ الْآنَ بَعْدَ النَّسْخِ، وَإِنَّمَا يُفِيدُهُ اسْتِصْحَابُ مَا كَانَ ثَابِتًا مِنْ جَوَازِ بَيْعِهِ قَبْلَ التَّدْبِيرِ، إذَا لَمْ يُوجِبْ التَّدْبِيرُ زَوَالَ الرِّقِّ عَنْهُ، ثُمَّ رَأَيْنَا أَنَّهُ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُوهَبُ وَهُوَ حُرٌّ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ» وَقَدْ رَفَعَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَكِنْ ضَعَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ رَفْعَهُ وَصَحَّحَ وَقَفَهُ.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا عَنْ عَلِيِّ بْنِ ظَبْيَانَ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَال: «الْمُدَبَّرُ مِنْ الثُّلُثِ» وَضَعَّفَ ابْنَ ظَبْيَانَ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ وَقَفَهُ صَحِيحٌ وَضَعَّفَ رَفْعَهُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ لَا إشْكَالَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الْوُقُوفِ فَقول الصَّحَابِيِّ حِينَئِذٍ لَا يُعَارِضُهُ النَّصُّ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهُ وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَإِنَّمَا يُعَارِضُهُ لَوْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ.
فَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ تَقْلِيدِهِ فَظَاهِرٌ، وَعَلَى عَدَمِ تَقْلِيدِهِ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السَّمَاعِ؛ لِأَنَّ مَنْعَ بَيْعِهِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ بَيْعَهُ مُسْتَصْحَبٌ بِرِقِّهِ فَمَنْعُهُ مَعَ عَدَمِ زَوَالِ الرِّقِّ وَعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ بِجُزْءِ الْمَوْلَى كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ خِلَافُ الْقِيَاسِ فَيُحْمَلُ عَلَى السَّمَاعِ فَبَطَلَ مَا قِيلَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يَصْلُحُ لِمُعَارِضَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ.
وَأَيْضًا ثَبَتَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ عَطَاءَ وَطَاوُسًا يَقولانِ عَنْ جَابِرٍ فِي الَّذِي أَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِتْقُهُ عَنْ دُبُرٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فَيَقْضِيَ دَيْنَهُ الْحَدِيثَ.
فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَهِدْت الْحَدِيثَ عَنْ جَابِرٍ «إنَّمَا أَذِنَ فِي بَيْعِ خِدْمَتِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ.
وَقَالَ: أَبُو جَعْفَرٍ هَذَا وَإِنْ كَانَ مِنْ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ وَلَكِنَّ حَدِيثَهُ هَذَا مُرْسَلٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْعَزْرَمِيُّ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ انْتَهَى.
فَلَوْ تَمَّ تَضْعِيفُ عَبْدِ الْغَفَّارِ لَمْ يَضُرَّ لَكِنَّ الْحَقَّ عَدَمُهُ وَإِنْ كَانَ مُتَشَيِّعًا، فَقَدْ صَرَّحَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ مُحَمَّدُ الْبَاقِرُ الْإِمَامُ بْنُ عَلِيِّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بِأَنَّهُ شَهِدَ حَدِيثَ جَابِرٍ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ فِي بَيْعِ مَنَافِعِهِ، وَلَا يُمْكِنُ لِثِقَةِ إمَامِ ذَلِكَ إلَّا لِعِلْمِهِ بِذَلِكَ مِنْ جَابِرٍ رَاوِي الْحَدِيثِ.
وَقَالَ ابْنُ الْعِزِّ: قول مَنْ قَالَ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ بَاعَ خِدْمَةَ الْعَبْدِ مِنْ بَابِ دَفْعِ الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتَقَدَ أَنَّ التَّدْبِيرَ عَقْدٌ لَازِمٌ سَعَى فِي تَأْوِيلِ مَا يُخَالِفُ اعْتِقَادَهُ مِنْ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافِ تَأْوِيلِهِ، وَالنَّصُّ مُطْلَقٌ فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا لِمُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ الْعَمَلِ بِإِطْلَاقِهِ، وَأَنْتَ إذَا عَلِمْت أَنَّ الْحُرَّ كَانَ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ ثُمَّ نُسِخَ، وَأَنَّ قولهُ فِي الْحَدِيثِ بَاعَ مُدَبَّرًا لَيْسَ إلَّا حِكَايَةَ الرَّاوِي فِعْلًا جُزْئِيًّا لَا عُمُومَ لَهَا، وَأَنَّ قولهُ أَعْتَقَ عَنْ دُبُرٍ أَوْ دَبَّرَ أَعَمُّ مِنْ الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ إذْ يَصْدُقُ عَلَى الَّذِي دَبَّرَ مُقَيَّدًا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ، وَأَنَّ مَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ صَحِيحٌ، وَحَدِيثُ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلُ تَابِعِيٍّ ثِقَةٍ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلَالَاتِ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمُرْسَلِ بَلْ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْمُسْنَدِ بَعْدَ أَنَّهُ قول جُمْهُورِ السَّلَفِ عَلِمْت قَطْعًا أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ مُوجِبَةٌ بَلْ سَالِمَةٌ عَنْ الْمُعَارِضِ.
وَكَذَا قول ابْنِ عُمَرَ إنْ لَمْ يَصِحَّ رَفْعُهُ يَعْضُدُهُ، وَلَا يُعَارِضُهُ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِجَوَازِ كَوْنِ تَدْبِيرِهَا كَانَ مُقَيَّدًا، وَلِأَنَّهُ أَيْضًا وَاقِعَةُ حَالٍ لَا عُمُومَ لَهَا، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ حَدِيثُ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَحَلَّ النِّزَاعِ أَلْبَتَّةَ، فَكَيْفَ وَقَدْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى السَّمَاعِ بِمَا ذَكَرْنَا فَظَهَرَ لَك تَحَامُلُهُ أَوْ غَلَطُهُ.
وَأَمَّا الْمَعْنَى الَّذِي أَبْطَلَ بِهِ الشَّافِعِيُّ مَنْعَ بَيْعِهِ، فَمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قولهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِالشَّرْطِ، وَبِهِ لَا يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ كَمَا فِي سَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ غَيْرِ الْمَوْتِ، وَكَذَا إنْ اعْتَبَرَ جِهَةَ كَوْنِهِ وَصِيَّةً، فَإِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَبَيْعُ الْمُوصَى بِهِ جَائِزٌ، فَظَهَرَ أَنَّهُ عَلَى اعْتِبَارِ شَبَهَيْ التَّعْلِيقِ وَالْوَصِيَّةِ لَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ.
وَقَدْ قَدَّمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ قَرِيبٍ قولهُ وَعَلَى هَذَا: أَيْ إعْمَالِ الشَّبَهَيْنِ يَدُورُ الْفِقْهُ.
وَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ بِقولهِ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبُ الْحُرِّيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا ثُبُوتَ إلَّا بِسَبَبٍ وَلَا سَبَبَ غَيْرَهُ: أَيْ غَيْرَ قولهِ أَنْتَ حُرٌّ الْمُعَلَّقِ فِي إذَا مِتَّ أَوْ الْمُضَافُ فِي بَعْدِ مَوْتِي، فَإِمَّا أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَجَعْلُهُ سَبَبًا فِي الْحَالِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ حَالُ وُجُودِهِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ مَعْدُومٌ إنَّمَا لَهُ ثُبُوتٌ حُكْمِيٌّ، فَإِضَافَةُ السَّبَبِيَّةِ إلَيْهِ حَالَ وُجُودِهِ أَوْلَى، فَهَذَا وَجْهُ أَوْلَوِيَّةِ السَّبَبِيَّةِ فِي الْحَالِ، وَوَجْهٌ آخَرُ يُوجِبُ عَدَمَ إمْكَانِ غَيْرِهِ وَهُوَ قولهُ وَلِأَنَّ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ إلَخْ: يَعْنِي لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ وَزَوَالِهِ مِنْ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ لَهُمَا وَالْمَوْتُ يُبْطِلُهَا، بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّ الْمَجْنُونَ أَهْلٌ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ كَمَا إذَا مَاتَ مُوَرِّثُهُ أَوْ وَهَبَ لَهُ وَقَبِلَ وَلِيُّهُ وَزَوَالُهُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ ضَمَانُهُ مِنْ مَالِهِ فَيَزُولُ مِلْكُهُ عَنْهُ.
وَلَوْ ارْتَدَّ أَبَوَاهُ وَلَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ بَانَتْ امْرَأَتُهُ، فَلِذَا لَمْ تُشْتَرَطْ الْأَهْلِيَّةُ بِالْعَقْلِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِيَزُولَ الْحُكْمُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِابْتِدَاءِ التَّصَرُّفِ لَا لِمُجَرَّدِ زَوَالِ الْمِلْكِ وَالْمَجْنُونُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، بِخِلَافِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ سَالِبٌ لِأَهْلِيَّةِ الْأَمْرَيْنِ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُجْعَلَ قولهُ الْمَذْكُورُ حَالَ حَيَاتِهِ سَبَبًا بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَزِمَتْ سَبَبِيَّتُهُ فِي الْحَالِ وَإِلَّا انْتَفَتْ لَكِنَّهَا لَمْ تَنْتَفِ شَرْعًا، وَلِأَنَّ سَائِرَ التَّعْلِيقَاتِ فِيهَا مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْمُعَلَّقِ سَبَبًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ وَالْيَمِينُ فِي مِثْلِهِ تُعْقَدُ لِلْمَنْعِ كَمَا قَدْ تُعْقَدُ لِلْحَمْلِ، فَالْمَنْعُ مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هُوَ الْمَقْصِدُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْبِرِّ وَأَنَّهُ يُضَادُّ وُقُوعَهُمَا، وَوُقُوعُهَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي التَّعْلِيقِ الَّذِي هُوَ التَّدْبِيرُ، فَلَزِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ مِنْهُ مَا لَيْسَ بِيَمِينٍ وَهُوَ التَّدْبِيرُ بِلَفْظِ التَّعْلِيقِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ يَمِينٌ فَلَا يُمْكِنُ سَبَبِيَّةُ الْمُعَلَّقِ قَبْلَ الشَّرْطِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَمْكَنَ فِي التَّدْبِيرِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ فَلَزِمَتْ سَبَبِيَّتُهُ فِي الْحَالِ.
وَإِذَا انْعَقَدَتْ سَبَبِيَّةُ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ يَتَحَقَّقُ ثُبُوتُ حَقِّ الْعِتْقِ لَهُ وَهُوَ مُلْحَقٌ بِحَقِيقَةٍ فَلَا يَقْبَلُ الْفَسْخَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ النَّقْضُ بِمَا إذَا قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لَمَّا أَعْتَقَ بِأَمْرٍ كَائِنٍ أَلْبَتَّةَ لَزِمَ أَنَّ الْمُرَادَ ثُبُوتُ الْمُعَلَّقِ فِيهِ لَا مَنْعُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا فَانْتَفَى مَانِعُ السَّبَبِيَّةِ فِي الْحَالِ فَيَنْعَقِدُ فِيهِ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ قَبْلَ الْغَدِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، وَهَذَا الْإِشْكَالُ لَا يَنْدَفِعُ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْعِ كَوْنِهِ كَائِنًا لَا مَحَالَةَ؛ لِجَوَازِ قِيَامِ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْغَدِ فَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِمَجِيءِ الْغَدِ وُجُودَ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى وَنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرِهِمَا، أَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
وَالْجَوَابُ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي فِي الْأَغْلَبِ فَيَلْحَقُ الْفَرْدَ النَّادِرَ بِهِ اعْتِرَافٌ بِالْإِيرَادِ، عَلَى أَنَّ كَوْنَ التَّعْلِيقِ بِمِثْلِ مَجِيءِ الْغَدِ وَرَأْسِ الشَّهْرِ نَادِرًا غَيْرُ صَحِيحٌ.
وَأُجِيبَ أَيْضًا بِمَا هُوَ حَاصِلُ الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيقَ الَّذِي هُوَ التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ خِلَافُهُ فِي الْحَالِ كَالْوِرَاثَةِ.
وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْ الْوَصِيَّةِ، وَهَذَا وَارِدٌ عَلَى عِبَارَتِهِ إلَّا بِعِنَايَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقولهِ وَالْوَصِيَّةُ خِلَافُهُ: أَيْ الْوَصِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ وَهِيَ الْوَصِيَّةُ بِرَقَبَتِهِ خِلَافَةٌ كَالْوِرَاثَةِ حَتَّى مُنِعَتْ مِنْ لُحُوقِ الرُّجُوعِ عَنْهَا.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ قولهِ إذَا مِتَّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَبَيْنَ قولهِ أَعْتِقُوهُ بَعْدَ مَوْتِي، فَإِنَّ الْأَوَّلَ اسْتِخْلَافٌ مُوجِبٌ لِثُبُوتِ حَقِّ الْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ أَعْتِقُوهُ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا فَرْقٌ بِعَيْنِ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ إذَا كَانَتْ تَدْبِيرًا كَانَتْ خِلَافَةً تَسْتَدْعِي لُزُومَ الْمُوصَى بِهِ وَعَدَمَ جَوَازِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهُ كَأَعْتِقُوا هَذَا الْعَبْدَ لَا تَكُونُ كَذَلِكَ وَجَازَ بَيْعُهُ، وَهَذَا عَيْنُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَإِنَّ الْخَصْمَ يَقول الْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ وَبِالصِّيغَةِ الْأُخْرَى سَوَاءٌ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا أَنْ تُبْدِيَ خُصُوصِيَّةً فِي تِلْكَ الْعِبَارَةِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ هُنَا إلَّا كَوْنُ الْعَبْدِ خُوطِبَ بِهِ أَوْ كَوْنُ الْعِتْقِ عُلِّقَ صَرِيحًا بِالْمَوْتِ أَوْ أُضِيفَ، وَكَوْنُ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ اللُّزُومِ، وَعَدَمُ جَوَازِ الرُّجُوعِ مَمْنُوعٌ، فَأُلْحِقَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا هُوَ بِالسَّمْعِ الْمُتَقَدِّمِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ مُعَارَضَةِ حَدِيثِ جَابِرٍ لَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ بَيَانُ حِكْمَةِ الشَّرْعِ لِذَلِكَ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ وَيُؤَاجِرَهُ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً وَطِئَهَا وَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا)؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ ثَابِتٌ لَهُ وَبِهِ تُسْتَفَادُ وِلَايَةُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ.
(فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) لِمَا رَوَيْنَا؛ وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ مُضَافٌ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ وَالْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَالِ فَيَنْفُذُ مِنْ الثُّلُثِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ يَسْعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ؛ لِتَقَدُّمِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَصِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْعِتْقِ فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (فَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ الْمُدَبَّرُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ) لِمَا رَوَيْنَا أَوَّلَ الْبَابِ، وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ وَنَفَاذُهَا مِنْ الثُّلُثِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ عَتَقَ ثُلُثُهُ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْهِ لِلْوَرَثَةِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى الْمَوْلَى دَيْنٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَسْتَغْرِقُ رَقَبَةَ الْمُدَبَّرِ يَسْعَى فِي كُلِّ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَرَثَةِ فَكَيْفَ بِالْوَصِيَّةِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُ الْعِتْقِ فَيُرَدُّ قِيمَتُهُ.

متن الهداية:
(وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) وَعَلَى ذَلِكَ نُقِلَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَوَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ مُدَبَّرٌ) فَيَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِ أُمِّهِ وَالْمُرَادُ وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ الْمُطْلَقُ، أَمَّا وَلَدُ الْمُدَبَّرَةِ تَدْبِيرًا مُقَيَّدًا فَلَا يَكُونُ مُدَبَّرًا، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا: وَلَدُ الْمُدَبَّرِ مُدَبَّرٌ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ أُمَّهُ لَا أَبَاهُ، فَإِنَّ زَوْجَةَ الْمُدَبَّرِ لَوْ كَانَتْ حُرَّةٌ كَانَ وَلَدُهَا حُرًّا، أَوْ أَمَةً فَوَلَدُهَا عَبْدٌ سَوَاءٌ كَانَ أَبُوهُ حُرًّا عَبْدًا مُدَبَّرًا أَوْ لَا، ثُمَّ الْمُرَادُ الْوَلَدُ الَّذِي كَانَتْ حَامِلًا بِهِ وَقْتَ التَّدْبِيرِ أَوْ الْوَلَدُ الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ بَعْدَ التَّدْبِيرِ، أَمَّا وَلَدُهَا الْمَوْلُودُ قَبْلَهُ فَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِتَدْبِيرِهَا.
أَمَّا الَّذِي كَانَ حَمْلًا فَبِالْإِجْمَاعِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَأَمَّا الَّذِي حَمَلَتْ، بِهِ بَعْدَهُ فَفِي قول أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالزُّهْرِيِّ وَالْبَصْرِيِّ وَشُرَيْحٍ وَمَسْرُوقٍ وَالثَّوْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قولانِ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَى هَذَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ: يَعْنِي الْإِجْمَاعَ السُّكُوتِيَّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافٌ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ سَرَيَانَ التَّدْبِيرِ إلَى الْوَلَدِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إشْكَالٌ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ طَرَفِ الشَّافِعِيِّ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَوْلَى وَالْمُدَبَّرَةُ فِي وَلَدِهَا فَقَالَ وَلَدَتْهُ قَبْلَ التَّدْبِيرِ وَقَالَتْ بَعْدَهُ فَالْقول لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي حَقَّ الْعِتْقِ لِوَلَدِهَا، وَلَوْ ادَّعَتْهُ لِنَفْسِهَا كَانَ الْقول لَهُ مَعَ يَمِينِهِ فَلِوَلَدِهَا كَذَلِكَ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَتُهَا لِإِثْبَاتِهَا زِيَادَةَ حَقِّ الْعِتْقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ الْمَوْلَى يَحْلِفُ عَلَى الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ تَحْلِيفٌ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ وَهُوَ مَا ادَّعَتْ مِنْ وِلَادَتِهَا بَعْدَ التَّدْبِيرِ، وَذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ فِي التَّدْبِيرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا دَبَّرَ الْحَمْلَ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ جَائِزٌ كَعِتْقِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ مُدَبَّرًا وَإِلَّا لَا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَبَّرَ أَحَدُهُمَا حَمْلَهَا وَوَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَالشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَتَضْمِينِ الْمُدَبِّرِ وَالِاسْتِسْعَاءِ لَهُ بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى السِّعَايَةِ، وَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا مَا فِي بَطْنِهَا بِأَنْ قَالَ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي وَقَالَ الْآخَرُ أَنْتِ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِي فَوَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بَعْدَ كَلَامِ الْأَوَّلِ فَالْوَلَدُ مُدَبَّرٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ دَبَّرَ الْأَوَّلُ فَتَدَبَّرَ نَصِيبُهُ بِتَدْبِيرِهِ وَتَدْبِيرُ نَصِيبِ الْآخَرِ بِتَدْبِيرِ أُمِّهِ، وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْأَوَّلِ وَلِأَقَلَّ مِنْهَا مِنْ تَدْبِيرِ الْأُمِّ فَالْوَلَدُ كُلُّهُ مُدَبَّرٌ لِلَّذِي دَبَّرَ الْأُمَّ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ التَّدْبِيرِ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْأُمِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ كَالْجُزْءِ، وَفِي هَذَا لَا يَنْفَصِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ فَكَانَ كُلُّهُ مُدَبَّرًا لِلَّذِي دَبَّرَ الْأُمَّ، وَأَمَّا الْأُمُّ فَنِصْفُهَا مُدَبَّرٌ لِلَّذِي دَبَّرَهَا وَلِلْآخَرِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا إنْ كَانَ مُوسِرًا وَبَيْنَ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا فَتَعْتِقُ الْأُمُّ بِضَمَانٍ وَالْوَلَدُ الْمُدَبَّرُ بِلَا ضَمَانٍ؛ وَلِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مِنْ حِينِ دُبِّرَ، وَعُلُوقُ الْوَلَدِ بَعْدَهُ فِي الْحُكْمِ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الشَّرِيكِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ زَادَتْ قِيمَتُهَا فِي مُدَّةٍ لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ إلَّا تَضْمِينُ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَقْتَ التَّدْبِيرِ فَكَذَا فِي الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَلِأَنَّهَا صَارَتْ فِي حُكْمِ الْمُسْتَسْعَاةِ حِينَ ثَبَتَ لَهَا حَقٌّ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا وَالْمُسْتَسْعَاةُ كَالْمُكَاتَبَةِ تَكُونُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا، وَإِذَا دَبَّرَ مَا فِي بَطْنٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَلَا يُمْهِرَهَا.
وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْهِبَةِ مِنْ الْأَصْلِ: إذَا أَعْتَقَ مَا فِي بَطْنِ أَمَتِهِ ثُمَّ وَهَبَهَا جَازَتْ الْهِبَةُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ بَاعَهَا.
وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْعِتْقِ بِأَنَّهُ إذَا دَبَّرَ مَا فِي الْبَطْنِ لَوْ وَهَبَ الْأُمَّ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ جَازَ هِبَتُهَا؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَمَّا فِي الْبَطْنِ، فَلَوْ وَهَبَ الْأُمَّ فَالْمَوْهُوبُ مُتَّصِلٌ بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ مِنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ، وَأَمَّا بَعْدَ عِتْقِهِ فَغَيْرُ مَمْلُوكٍ فَلَمْ يَتَّصِلْ الْمَوْهُوبُ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ فَهُوَ كَمَا لَوْ وَهَبَ دَارًا فِيهَا ابْنُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَهَا.
وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا فَوَلَدَتْ وَلَدَيْنِ أَحَدُهُمَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ بِيَوْمٍ وَالْآخَرُ لِأَكْثَرَ بِيَوْمٍ فَهُمَا مُدَبَّرَانِ؛ لِأَنَّهُمَا تَوْأَمَانِ وَتَيَقَّنَّا بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا حَالَ التَّدْبِيرِ فِي الْبَطْنِ، وَلَوْ دَبَّرَ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ كَاتَبَهَا جَازَ، وَإِنْ وَضَعَتْ بَعْدَ هَذَا لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَانَ التَّدْبِيرُ فِي الْوَلَدِ صَحِيحًا لَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْكِتَابَةِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْأُمِّ، فَإِذَا أَدَّتْ عَتَقَا جَمِيعًا، وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ عَتَقَ الْوَلَدُ بِالتَّدْبِيرِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ الْمَوْلَى فَعَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَسْعَى فِيمَا عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْكِتَابَةِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى فَالْوَلَدُ بِالْخِيَارِ فِي اخْتِيَارِهِ الْحُرِّيَّةَ بِالتَّدْبِيرِ أَوْ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَيَخْتَارُ الْأَنْفَعَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ حَصَلَ.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ وَلَدُك الَّذِي فِي بَطْنِك وَلَدُ مُدَبَّرَةٍ أَوْ وَلَدُ حُرَّةٍ وَلَا يُرِيدُ بِهِ عِتْقًا لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ هَذَا تَشْبِيهٌ وَلَيْسَ بِتَحْقِيقٍ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ مِثْلُ الْحُرَّةِ أَوْ الْمُدَبَّرَةِ.

متن الهداية:
(وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوْتِهِ عَلَى صِفَةٍ مِثْلَ أَنْ يَقول إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا أَوْ مِنْ مَرَضِ كَذَا فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ)؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي الْحَالِ لِتَرَدُّدٍ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ الْمَوْتِ وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ (فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَتَقَ كَمَا يُعْتَقُ الْمُدَبَّرُ) مَعْنَاهُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حُكْمُ التَّدْبِيرِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ؛ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ.
وَمِنْ الْمُقَيَّدِ أَنْ يَقول إنْ مِتَّ إلَى سَنَةٍ أَوْ عَشْرِ سِنِينَ لِمَا ذَكَرْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ وَمِثْلُهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهِ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ كَالْكَائِنِ لَا مَحَالَةَ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ بِمَوْتِهِ عَلَى صِفَةٍ) مِثْلَ أَنْ يَقول إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ سَفَرِي هَذَا أَوْ مَرَضِ كَذَا أَوْ قُتِلْت أَوْ غَرِقْت فَلَيْسَ بِمُدَبَّرٍ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ لَمْ تَنْعَقِدْ فِي الْحَالِ لِلتَّرَدُّدِ فِي تِلْكَ الصِّفَةِ هَلْ تَقَعُ أَوْ لَا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ الْمَوْتِ، وَهُوَ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ.
ثُمَّ إنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا عَتَقَ كَمَا يَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ يَعْنِي مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ حُكْمُ التَّدْبِيرِ لَهُ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ حَيَاتِهِ؛ لِتَحَقُّقِ تِلْكَ الصِّفَةِ فِيهِ فَإِذْ ذَاكَ يَصِيرُ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَلْ لَا يُمْكِنُ، فَأَمَّا مَا قِيلَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْ حَيَاتِهِ فَلَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا فَجَازَ بَيْعُهُ، وَإِنْ بَرِئَ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ أَوْ رَجَعَ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ قَدْ انْعَدَمَ.
وَاسْتُشْكِلَ بِمَا إذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ وَمَضَى شَهْرٌ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ يَعْتِقُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى مَعَ أَنَّهُ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ حَتَّى جَازَ لِلْمَوْلَى بَيْعُهُ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِالشَّهْرِ قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا سَمَّى فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ بِالْعِتْقِ الْمُضَافِ إلَى غَدٍ، وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حَقًّا لِلْعَبْدِ لِلْحَالِ فَكَذَا هُنَا.
وَلَوْ قَالَ إذَا مِتَّ أَوْ قُتِلْت فَأَنْتَ حُرٌّ عَلَى قول زُفَرَ هُوَ مُدَبَّرٌ؛ لِأَنَّ عِتْقَهُ تَعَلَّقَ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ حَتَّى يَعْتِقَ إذَا مَاتَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
وَعَلَى قول أَبِي يُوسُفَ لَيْسَ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ مِنْ الْمَوْتِ وَالْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ وَإِنْ كَانَ مَوْتًا فَالْمَوْتُ لَيْسَ بِقَتْلٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ عَزِيمَةً فِي أَحَدِهِمَا خَاصَّةً فَلَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ.
وَقول زُفَرَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ فِي الْمَعْنَى بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَرَدُّدَ فِي كَوْنِ الْكَائِنِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْمَوْتِ قَتْلًا أَوْ غَيْرَ قَتْلٍ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مُطْلَقُ الْمَوْتِ كَيْفَمَا كَانَ.
وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا قَالَ إذَا مِتَّ وَغُسِّلْت فَأَنْتَ حُرٌّ لَا يَكُونُ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْمَوْتِ وَشَيْءٍ آخَرَ بَعْدَهُ، ثُمَّ إذَا مَاتَ فَفِي الْقِيَاسِ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ غُسِّلَ مَا لَمْ يُعْتِقُوهُ؛ لِأَنَّهُ بِنَفْسِ الْمَوْتِ انْتَقَلَ إلَى مِلْكِهِمْ فَهُوَ كَقولهِ إنْ مِتَّ وَدَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ يُغَسَّلُ عَقِيبَ الْمَوْتِ قَبْلَ أَنْ يَتَقَرَّرَ مِلْكُ الْوَارِثِ فَهُوَ نَظِيرُ تَعْلِيقِهِ بِمَوْتٍ بِصِفَةٍ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ يَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ بِخِلَافِ دُخُولِهِ الدَّارَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ بِالْمَوْتِ فَيَتَقَرَّرُ مِلْكُ الْوَارِثِ فِيهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قولهُ: (وَمِنْ الْمُقَيَّدِ) أَيْ وَمِنْ التَّدْبِيرِ الْمُقَيَّدِ (أَنْ يَقول إنْ مِتَّ إلَى سَنَةٍ أَوْ إلَى عَشْرِ سِنِينَ) فَأَنْتَ حُرٌّ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ الْعَشْرِ عَتَقَ مُدَبَّرًا، وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى بَعْدَ السَّنَةِ أَوْ الْعَشْرِ لَمْ يَعْتِقْ، وَمُقْتَضَى الْوَجْهِ كَوْنُهُ لَوْ مَاتَ فِي رَأْسِ السَّنَةِ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ هُنَا لَوْلَاهَا تَنَاوَلَ الْكَلَامُ مَا بَعْدَهَا؛ لِأَنَّهُ تَنْجِيزُ عِتْقِهِ فَيَصِيرُ حُرًّا بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَشْرِ فَتَكُونُ لِلْإِسْقَاطِ فَتَكُونُ لِلْإِسْقَاطِ وَمِنْهُ أَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ أَوْ بِيَوْمٍ فَإِنَّهُ مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ حَتَّى مَلَكَ بَيْعَهُ وَعِنْدَ زُفَرَ مُدَبَّرٌ مُطْلَقٌ.
قُلْنَا: لَمْ يُوجَدْ تَعَلُّقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِهِ لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ قَبْلَ شَهْرٍ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَرْطٍ كَائِنٍ لَا مَحَالَةَ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ شَهْرٍ قِيلَ يَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ، وَقِيلَ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ يَسْتَنِدُ الْعِتْقُ إلَى الشَّهْرِ وَهُوَ كَانَ صَحِيحًا فَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّهِ وَعَلَى قولهِمَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ قَبْلَ مَوْتِهِ.
قولهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ إلَى مِائَةِ سَنَةٍ وَمِثْلُهُ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ كَالْكَائِنِ لَا مَحَالَةَ) فَيَكُونُ تَدْبِيرًا مُطْلَقًا فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ قَاضِي خَانَ: عَلَى قول أَصْحَابِنَا مُدَبَّرٌ مُقَيَّدٌ، وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْيَنَابِيعِ وَجَوَامِعِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ التَّعْيِينِ، وَعَلَى قول الْحَسَنِ ذِكْرُ مَا لَا يَعِيشُ إلَيْهِ غَالِبًا تَأْبِيدٌ مَعْنًى، وَهُوَ كَالْخِلَافِ فِي النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ لَوْ سَمَّيَا مُدَّةٌ لَا يَعِيشَانِ إلَيْهَا غَالِبًا صَحَّ النِّكَاحُ عِنْدَ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ تَأْيِيدٌ مَعْنًى وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَوْقِيتٌ فَلَا يَصِحُّ، وَالْمُصَنِّفُ كَالْمُنَاقِضِ فَإِنَّهُ فِي النِّكَاحِ اعْتَبَرَهُ تَوْقِيتًا وَأَبْطَلَ بِهِ النِّكَاحَ وَهُنَا جَعَلَهُ تَأْبِيدًا مُوجِبًا لِلتَّدْبِيرِ.
فُرُوعٌ:
كَاتَبَ مُدَبَّرَهُ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ عَتَقَ بِالتَّدْبِيرِ وَسَقَطَ عَنْهُ بَدَلُ الْكِتَابَةِ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ بِالْعِتْقِ الْحَاصِلِ عَنْ التَّدْبِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ ثُلُثُهُ بِالتَّدْبِيرِ ثُمَّ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: سَقَطَ ثُلُثُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْجُزْءِ بِالْكُلِّ، وَقِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ كَاتَبَهُ أَوَّلًا ثُمَّ دَبَّرَهُ ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ ثُلُثُ بَدَلِ الْكِتَابَةِ لَمَّا عَتَقَ ثُلُثُهُ بِالتَّدْبِيرِ، فَكَذَا إذَا سَبَقَ التَّدْبِيرُ الْكِتَابَةَ.
وَلَا مَعْنًى لِقول مَنْ يَقول الْمُسْتَحَقُّ بِالتَّدْبِيرِ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ عَقْدُ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدَّى جَمِيعَ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فِي حَيَاتِهِ يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ بِالتَّدْبِيرِ لَمْ تُرَدُّ عَلَيْهِ الْكِتَابَةُ لَمَّا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُدَبَّرِ ثُلُثَهُ بِالتَّدْبِيرِ كَاسْتِحْقَاقِ أُمِّ الْوَلَدِ جَمِيعَهَا بِالِاسْتِيلَادِ.
وَلَوْ كَاتَبَ أُمَّ وَلَدِهِ صَحَّ وَوَجَبَ الْمَالُ فَعَرَفْنَا أَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَمْنَعُ وُرُودَ الْعَقْدِ عَلَيْهِ.
وَلَهُمَا طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَحَقِّ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْكِتَابَةِ ثُبُوتُ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي الْمُكَاتَبِ وَالْبَدَلُ بِمُقَابِلَتِهِ.
وَعُرِفَ أَنَّ التَّدْبِيرَ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ لَهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقُ ذَلِكَ بِالْكِتَابَةِ فَيَكُونُ الْبَدَلُ بِمُقَابِلِهِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثِنْتَيْنِ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بِأَلْفٍ كَانَتْ الْأَلْفُ كُلُّهَا بِإِزَاءِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ كُلُّهُ مِنْ الثُّلُثِ بَطَلَتْ الْكِتَابَةُ، فَأَمَّا قَبْلَ الْمَوْتِ الْكِتَابَةُ صَحِيحَةٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالتَّدْبِيرِ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَمُوتَ الْمَوْلَى قَبْلَهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا وَرَاءَ الْمُسْتَحَقِّ بِالتَّدْبِيرِ وَشَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُسَلَّمْ لِلْعَبْدِ بِمَوْتِ الْمَوْلَى لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَاتَبَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ هُنَاكَ بِمُقَابَلَةِ جَمِيعِ الرَّقَبَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقًّا لِشَيْءٍ مِنْ رَقَبَتِهِ عِنْدَ الْكِتَابَةِ، فَإِذَا عَتَقَ بَعْضُ الرَّقَبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّدْبِيرِ عِنْدَ الْمَوْتِ سَقَطَ حِصَّتُهُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ.
وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ أَنَّ التَّدْبِيرَ وَصِيَّةٌ بِرَقَبَتِهِ لَهُ وَهِيَ عَيْنٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالْعَيْنِ لَا تَنْفُذُ مِنْ مَالٍ آخَرَ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِعَبْدٍ لِإِنْسَانٍ ثُمَّ بَاعَهُ أَوْ قُتِلَ لَا تُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ فِي قِيمَتِهِ وَلَا ثَمَنِهِ مِنْ مَالِ الْمُوصِي، وَفِي إسْقَاطِ بَعْضِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ ذَلِكَ فَامْتَنَعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَاتَبَهُ أَوَّلًا ثُمَّ دَبَّرَهُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ عِنْدَ التَّدْبِيرِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ، إمَّا بَدَلُ الْكِتَابَةِ إنْ أَدَّى، أَوْ مَالُ رَقَبَتِهِ إنْ عَجَزَ فَيَكُونُ مُوصِيًا لَهُ بِمَا هُوَ حَقُّهُ فَلِهَذَا يُنَفَّذُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ.
إذَا عُرِفَ هَذَا فَتَخْرُجُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قول أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا دَبَّرَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى إنْ شَاءَ سَعَى فِي جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ بِجِهَةِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ الْعِتْقُ يَتَجَزَّأُ وَقَدْ تَلْقَاهُ جِهَتَا حُرِّيَّةٍ فَيَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْهُمَا بِغَيْرِ خِيَارٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ فَقَدْ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالْمَالُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَقَلُّ الْمَالَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَمِنْ ثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَهَا سَقَطَ عَنْهُ وَلَا يَتَخَيَّرُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ كَمَا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ.
وَلَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ دَبَّرَهُ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ ثُلُثَيْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَعِنْدَهُمَا يَسْعَى فِي أَقَلِّهِمَا عَيْنًا.
وَلَوْ كَاتَبَ مُدَبَّرَتَهُ فَوَلَدَتْ ثُمَّ مَاتَتْ يَسْعَى الْوَلَدُ فِيمَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْلُودٌ فِي كِتَابَتِهَا فَيَبْقَى عَقْدُ الْكِتَابَةِ بِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَا وَلَدَيْنِ فَأَدَّى أَحَدُهُمَا الْمَالَ كُلَّهُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَخِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَا أَدَّى عَنْهُ شَيْئًا إنَّمَا أَدَّى عَنْ الْأُمِّ، فَإِنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ عَلَيْهَا؛ وَلِأَنَّ كَسْبَ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ حَيَّةً كَانَتْ أَحَقَّ بِهِ فَكَانَ أَدَاءُ مَنْ أَدَّى أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا أَدَاءٌ مِنْ مَالِ الْأُمِّ، وَمِثْلُهُ لَوْ كَانَا عَبْدَيْنِ مُدَبَّرَيْنِ جَمِيعًا وَكُلٌّ كَفِيلٌ عَنْ الْآخَرِ ثُمَّ مَاتَا وَتَرَكَ أَحَدُهُمَا وَلَدًا وُلِدَ لَهُ فِي كِتَابَتِهِ مِنْ أَمَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي جَمِيعِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا يَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْعِتْقِ لِأَبِيهِ وَلِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ لِأَبِيهِ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ، فَلِذَا كَانَ عَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي جَمِيعِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ.

.بَابُ الِاسْتِيلَادِ:

(وَإِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْ مَوْلَاهَا فَقَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا) لِقولهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» أَخْبَرَ عَنْ إعْتَاقِهَا فَيَثْبُتُ بَعْضُ مَوَاجِبِهِ وَهُوَ حُرْمَةُ الْبَيْعِ، وَلِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ فَإِنَّ الْمَاءَيْنِ قَدْ اخْتَلَطَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمَيْزُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، إلَّا أَنَّ بَعْدَ الِانْفِصَالِ تَبْقَى الْجُزْئِيَّةُ حُكْمًا لَا حَقِيقَةً فَضَعُفَ السَّبَبُ فَأَوْجَبَ حُكْمًا مُؤَجَّلًا إلَى مَا بَعْدِ الْمَوْتِ، وَبَقَاءُ الْجُزْئِيَّةِ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ وَهُوَ مِنْ جَانِبِ الرِّجَالِ.
فَكَذَا الْحُرِّيَّةُ تَثْبُتُ فِي حَقِّهِمْ لَا فِي حَقِّهِنَّ، حَتَّى إذَا مَلَكَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْهُ لَمْ يُعْتَقْ الزَّوْجُ الَّذِي مَلَكَتْهُ بِمَوْتِهَا، وَبِثُبُوتِ عِتْقٍ مُؤَجَّلٍ يَثْبُتُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ فَيُمْنَعُ جَوَازُ الْبَيْعِ وَإِخْرَاجُهَا لَا إلَى الْحُرِّيَّةِ فِي الْحَالِ وَيُوجِبُ عِتْقَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ بَعْضُهَا مَمْلُوكًا لَهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ فَإِنَّهُ فَرْعُ النَّسَبِ فَيُعْتَبَرُ بِأَصْلِهِ.
الشَّرْحُ:
(بَابُ الِاسْتِيلَادِ):
لَمَّا اشْتَرَكَ كُلٌّ مِنْ الْمُدَبَّرِ وَأُمُّ الْوَلَدِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعَقْدِ وَتَعَلُّقِهِ بِالْمَوْتِ وَصَلَ بَيْنَهُمَا، وَلَمَّا كَانَ التَّدْبِيرُ أَنْسَبَ بِمَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِتْقَ بِهِ بِإِيجَابِ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ.
وَالِاسْتِيلَادُ مَصْدَرُ اسْتَوْلَدَ: أَيْ طَلَبَ الْوَلَدَ، وَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خُصُوصٌ، وَهُوَ طَلَبُ وَلَدِ أَمَتِهِ: أَيْ اسْتِلْحَاقِهِ: أَيْ بَابُ بَيَانِ أَحْكَامِ هَذَا الِاسْتِلْحَاقِ الثَّابِتَةِ فِي الْأُمِّ، وَأَصْلُهُ اسْتِوْلَادٌ، وَمِثْلُهُ يَجِبُ قَلْبُ وَاوِهِ يَاءً كَمِيعَادٍ وَمِيزَانٍ وَمِيقَاتٍ فَصَارَ اسْتِيلَادًا، وَأُمُّ الْوَلَدِ تَصْدُقُ لُغَةً عَلَى الزَّوْجَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّنْ لَهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ وَغَيْرِ ثَابِتِ النَّسَبِ.
وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ الْأَمَةُ الَّتِي ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ مَالِك كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا قولهُ: (وَإِذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْ مَوْلَاهَا فَقَدْ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) يَعْنِي إذَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَلَيْسَ وِلَادَتُهَا مِنْهُ مُسْتَلْزِمًا ثُبُوتَهُ، فَفِي الْعِبَارَةِ قُصُورٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ أَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ بِالْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ بَلْ بِالِاصْطِلَاحِ الْفِقْهِيِّ، وَلِذَا رَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ الْمَذْكُورَةَ حَيْثُ قَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا وَلَا تَمْلِيكُهَا وَلَا هِبَتُهَا، بَلْ إذَا مَاتَ وَلَمْ يُنْجِزْ عِتْقَهَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَلَا تَسْعَى لِغَرِيمٍ وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ مَدْيُونًا مُسْتَغْرَقًا، وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ، إلَّا مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَبِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ فَقَالُوا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: «بِعْنَا أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا عَنْهُ فَانْتَهَيْنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ إلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «كُنَّا نَبِيعُهُنَّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَأَعَلَّهُ الْعُقَيْلِيُّ بِزَيْدٍ الْعَمِّيِّ، وَقَالَ النَّسَائِيّ: زَيْدٌ الْعَمِّيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَنُقِلَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ الصِّدِّيقِ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَكِنْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: تُعْتَقُ مِنْ نَصِيبِ وَلَدِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ، فَهَذَا يُصَرِّحُ بِرُجُوعِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَنْهُمَا.
وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِلْجُمْهُورِ بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ خَطَّابِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّهِ عَنْ سَلَامَةَ بِنْتِ مَعْقِلٍ امْرَأَةٍ مِنْ خَارِجَةَ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا قَالت: «قَدِمَ بِي عَمِّي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَاعَنِي مِنْ الْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عَمْرٍو فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحُبَابِ ثُمَّ هَلَكَ، فَقَالَتْ امْرَأَتُهُ: الْآنَ وَاَللَّهِ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ مِنْ خَارِجَةَ قَيْسِ عَيْلَانَ قَدِمَ بِي عَمِّي الْمَدِينَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَاعَنِي مِنْ الْحُبَابِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي أَبِي الْيُسْرِ بْنِ عَمْرٍو فَوَلَدْتُ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَمَاتَ فَقَالَتْ لِي امْرَأَتُهُ الْآنَ وَاَللَّهِ تُبَاعِينَ فِي دَيْنِهِ، فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ وَلِيُّ الْحُبَابِ؟ قِيلَ أَخُوهُ أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو، فَبَعَثَ إلَيْهِ فَقَالَ: أَعْتِقُوهَا، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقٍ قَدِمَ عَلَيَّ فَأَتَوْنِي أُعَوِّضُكُمْ، قَالَتْ: فَأَعْتَقُونِي وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقِيقٌ فَعَوَّضَهُمْ مِنِّي غُلَامًا».
وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تُعْتَقُ بِمُجَرَّدِ مَوْتِهِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَهُمْ أَنْ يُعْتِقُوهَا وَيُعَوِّضَهُمْ لَمَّا اسْتَرَقَتْ قَلْبَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَلْ يُفِيدُ أَنَّهَا لَا تُعْتَقُ وَإِلَّا لَبَيَّنَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّهَا عَتَقَتْ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِعِتْقِهَا بَعُوضٍ يَقُومُ هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِهِ لَهُمْ.
نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِأَعْتِقُوهَا خَلُّوا سَبِيلَهَا كَمَا فَسَّرَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَأَنَّ الْعِوَضَ مِنْ بَابِ الْفَضْلِ مِنْهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ لَكِنْ هَذَا احْتِمَالُ غَيْرِ الظَّاهِرِ وَالْعِبْرَةُ لِلظَّاهِرِ فَلَا يُصَارُ إلَى هَذَا إلَّا بِدَلِيلٍ مِنْ خَارِجٍ يُوجِبُهُ وَيُعَيِّنُهُ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: يَعْنِي فِي مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَهُوَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَكَرْتُ أُمَّ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَطَرِيقُهُ مَعْلُولٌ بِأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ وَحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَبِسَنَدِ ابْنِ مَاجَهْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ لَكِنْ أَعَلَّهُ بِابْنِ أَبِي سَبْرَةَ فَقَطْ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ حُسَيْنًا مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ شَرِيكٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَوْثِيقٌ لِحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
وَرَوَاهُ أَبُو يُعْلَى الْمُوصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا حُرَّةٌ إذَا مَاتَ إلَّا أَنْ يُعْتِقَهَا قَبْلَ مَوْتِهِ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ وَلَدَتْ مِنْهُ أَمَتُهُ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ» وَالطُّرُقُ كَثِيرَةٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَلِذَا قَالَ الْأَصْحَابُ: إنَّهُ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَإِذْ قَدْ كَثُرَتْ طُرُقُ هَذَا الْمَعْنَى وَتَعَدَّدَتْ وَاشْتُهِرَتْ فَلَا يَضُرُّهُ وُقُوعُ رَاوٍ ضَعِيفٍ فِيهِ مَعَ أَنَّ ابْنَ الْقَطَّانِ قَالَ فِي كِتَابَةِ: وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ فِي كِتَابِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَضَاحٍ، حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ أَبُو خَيْثَمَةَ الْمِصِّيصِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الرَّقِّيِّ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: «لَمَّا وَلَدَتْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ إبْرَاهِيمَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَصْبَغَ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا مَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ» فَلَوْ كَانَتْ مَارِيَةُ مَالًا بِيعَتْ وَصَارَ ثَمَنُهَا صَدَقَةً.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَام: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْأُمَّهَاتِ» وَفِي بَيْعِهِنَّ تَفْرِيقٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ قوله: «أَعْتَقَهَا» إلَخْ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ إلَى الْمَوْتِ إجْمَاعًا وَجَبَ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَجَازِ الْأَوَّلِ، فَيَثْبُتُ فِي الْحَالِ بَعْضُ مَوَاجِبِ الْعِتْقِ مِنْ امْتِنَاعِ تَمْلِيكِهَا.
وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ يُونُسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فَقَالَ: لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ وَلَا يُوَرَّثْنَ، يَسْتَمْتِعُ بِهَا سَيِّدُهَا مَا دَامَ حَيًّا. فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِسَنَدٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَأَعَلَّهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحٍ الْمَدِينِيِّ وَأَسْنَدَ تَضْعِيفَهُ عَنْ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ، وَلَيَّنَهُ هُوَ وَقَالَ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: هَذَا حَدِيثٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقَسْمَلِيِّ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فَقَالَ عَنْهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَهُوَ الَّذِي رَفَعَهُ.
وَقَالَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ وَفُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عُمَرَ: لَمْ يَتَجَاوَزُوهُ، وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَعِنْدِي أَنَّ الَّذِي أَسْنَدَهُ خَيْرٌ مِمَّنْ وَقَفَهُ.
وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: «أَيُّمَا وَلِيدَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهُ لَا يَبِيعُهَا وَلَا يَهَبُهَا وَلَا يُوَرِّثُهَا وَهُوَ يَسْتَمْتِعُ مِنْهَا فَإِذَا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ» وَهَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا.
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِفْرِيقِيِّ كَانَ غَيْرَ حُجَّةٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يَعْضُدُ رَفْعَهُ مَعَ تَرْجِيحِ ابْنِ الْقَطَّانِ فَثَبَتَ الرَّفْعُ بِمَا قُلْنَا، وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ وَقْفِهِ عَلَى عُمَرَ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَصْلِ حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ وَقَالَ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ» وَعَدَمُ مُخَالَفَةِ أَحَدٍ لِعُمَرَ حِينَ أَفْتَى بِهِ وَأَمَرَ فَانْعَقَدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى عَدَمِ بَيْعِهِنَّ، فَهَذَا يُوجِبُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بِعِلْمِهِ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ قول الرَّاوِي: كُنَّا نَفْعَلُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمُهُ الرَّفْعُ لَكِنْ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا، فَإِذَا قَامَ دَلِيلٌ فِي خُصُوصٍ مِنْهُ عَلَى عَدَمِهِ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ.
وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ بِعِلْمِهِ وَتَقْرِيرِهِ ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يَظْهَرْ النَّاسِخُ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِقِصَرِ مُدَّتِهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ فِيهَا بِحُرُوبِ مُسَيْلِمَةَ وَأَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَانِعِي الزَّكَاةَ ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَهُ كَمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ «أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُخَابَرَةِ فَتَرَكْنَاهَا» وَأَيًّا مَا كَانَ وَجَبَ الْحُكْمُ الْآنَ بِعَدَمِ جَوَازِ بَيْعِهِنَّ.
هَذَا إذَا قَصَرْنَا النَّظَرَ عَلَى الْمَوْقُوفِ، فَأَمَّا بِمُلَاحَظَةِ الْمَرْفُوعَاتِ الْمُتَعَاضِدَةِ فَلَا شَكَّ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ مَا أَسْنَدَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ قَالَ: سَمِعْت عَلِيًّا يَقول: اجْتَمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ أَنْ لَا يُبَعْنَ، ثُمَّ رَأَيْت بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُبَعْنَ فَقُلْت لَهُ: فَرَأْيُك وَرَأْيُ عُمَرَ فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ رَأْيِك وَحْدَك فِي الْفُرْقَةِ فَضَحِكَ عَلِيٌّ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رُجُوعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يَرَى اشْتِرَاطًا انْقِرَاضَ الْعَصْرِ فِي تَقَرُّرِ الْإِجْمَاعِ وَالْمُرَجَّحُ خِلَافُهُ.
وَسُئِلَ دَاوُد عَنْ بَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ فَقَالَ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّا اتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى كَذَلِكَ.
إذْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ وَاسْتِمْرَارُهُ.
وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيُّ حَاضِرًا فَعَارَضَهُ فَقَالَ: قَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْحَالَةُ بِالِاتِّفَاقِ وَامْتَنَعَ بَيْعُهَا لَمَّا حَبِلَتْ بِوَلَدِ سَيِّدِهَا، وَالْأَصْلُ فِي كُلِّ ثَابِتٍ دَوَامُهُ فَانْقَطَعَ دَاوُد وَكَانَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ وَيَقول: الزَّوَالُ كَانَ بِمَانِعٍ عَرَضَ وَهُوَ قِيَامُ الْوَلَدِ الْحُرِّ فِي بَطْنِهَا وَزَالَ بِانْفِصَالِهِ فَعَادَ مَا كَانَ فَيَبْقَى إلَى أَنْ يَثْبُتَ الْمُزِيلُ.
قولهُ: (وَلِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْمَاءَيْنِ) اللَّذَيْنِ خُلِقَ مِنْهُمَا (قَدْ اخْتَلَطَا) وَهُوَ جُزْؤُهُمَا بِحَيْثُ لَا تَمْيِيزَ، وَهَذِهِ الْجُزْئِيَّةُ، وَإِنْ زَالَتْ بِانْفِصَالِ الْوَلَدِ لَكِنَّهَا بَقِيَتْ حُكْمًا وَلَمْ تَنْقَطِعْ لِأَنَّ تِلْكَ الْجُزْئِيَّةِ أَوْجَبَتْ نِسْبَتَهَا إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ الْوَلَدِ وَبِالِانْفِصَالِ تَقَرَّرَ ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ أُمُّ وَلَدِهِ فَقَدْ بَقِيَ أَثَرُهَا شَرْعًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ عُمَرُ فِيمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ قَارِبٍ قَالَ: اشْتَرَى ابْنِي أَمَةً مِنْ رَجُلٍ قَدْ أَسْقَطَتْ مِنْهُ فَأَمَرَ عُمَرُ بِرَدِّهَا وَقَالَ: أَبْعَدَ مَا اخْتَلَطَتْ لُحُومُكُمْ بِلُحُومِهِنَّ وَدِمَاؤُكُمْ بِدِمَائِهِنَّ؟ إلَّا أَنَّ السَّبَبَ يَضْعُفُ بِالِانْفِصَالِ (فَأَوْجَبَ حُكْمًا مُؤَجَّلًا إلَى الْمَوْتِ) وَلَمَّا وَرَدَ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ لَوْ مَلَكَتْ زَوْجَهَا الْعَبْدَ بَعْدَمَا وَلَدَتْ لَهُ أَنَّهُ يُعْتَقُ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّ النِّسْبَةَ الْكَائِنَةَ بِتَوَسُّطِ الْوَلَدِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا لِكُلٍّ مِنْ الْأُمِّ وَالْأَبِ قِسْطٌ مِنْهَا.
أَجَابَ الْمُصَنِّفُ بِقولهِ إنَّ بَقَاءَ الْجُزْئِيَّةِ حُكْمًا بَعْدَ الِانْفِصَالِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ سِوَاهُ، وَالنَّسَبُ إلَى الرِّجَالِ: أَيْ إلَى الْآبَاءِ لَا إلَى الْأُمَّهَاتِ.
(فَكَذَا الْحُرِّيَّةُ) الَّتِي تُبْتَنَى عَلَى النَّسَبِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَا بِالْجِيمِ تَثْبُتُ لِلنِّسَاءِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ إلَيْهِمْ فَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ أَنَّ الْحُرَّ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ دُونَ الْعَكْسِ إذْ لَيْسَ النَّسَبُ إلَيْهِنَّ، فَلَوْ مَلَكَتْ الْحُرَّةُ زَوْجَهَا الْعَبْدَ بَعْدَ مَا وَلَدَتْ لَهُ لَا يُعْتَقُ بِمَوْتِهَا وَلَمَّا تَعَلَّقَ بِالْآخِرَةِ بِالنَّسَبِ لَمْ تَثْبُتْ الْأُمُومَةُ بِدُونِهِ، فَلَوْ وَلَدَتْ أَمَةٌ لِرَجُلٍ بِزِنًا ثُمَّ مَلَكَهَا لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَلَا تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ.
وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ فِي دَعْوَى الْأَصْلِ: أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ وَلَدًا فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ هُوَ ابْنُك لَا يَكُونُ ابْنَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهُوَ حُرٌّ وَأُمَّهُ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ مَوْقُوفَةً لَا يَمْلِكُهَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَقَدْ ثَبَتَتْ الْأُمُومَةُ بِلَا ثُبُوتِ نَسَبٍ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ النَّسَبُ فِي الْجُمْلَةِ، فَإِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى ثُبُوتِ نَسَبِهِ وَلِذَا كَانَ حُرًّا فَلَمْ تَثْبُتْ دُونَ نَسَبٍ.
وَالْحَقُّ أَنَّ ثُبُوتَ الْأُمُومَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَا يَكُونُ إلَّا تَابِعًا لِثُبُوتِ النَّسَبِ، وَأَمَّا ثُبُوتُهُ ظَاهِرًا فِي الْقَضَاءِ فَبِكُلٍّ مِنْ ثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ لِمَا سَيَجِيءُ فِيمَا إذَا ادَّعَى وَلَدَ أُمِّ وَلَدِهِ الْمُزَوَّجَةِ.
قولهُ: (وَبِثُبُوتِ عِتْقٍ إلَخْ) يَعْنِي قَدْ ثَبَتَ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهَا عِتْقٌ مُؤَجَّلٌ، وَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ عِتْقِهَا مُؤَجَّلًا أَنْ يَثْبُتَ لَهَا فِي الْحَالِ حَقُّ الْعِتْقِ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهَا وَإِخْرَاجُهَا إلَّا إلَى الْحُرِّيَّةِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقول: ثُبُوتُ الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ثَابِتٌ فِي قولهِ إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتَ حُرٌّ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَمْتَنِعْ الْبَيْعُ فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ثُبُوتِ الْعِتْقِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ ثُبُوتُ اسْتِحْقَاقِهَا فِي الْحَالِ بَلْ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ.
فَالْحَقُّ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا فِي الْحَالِ لِلْعِتْقِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ إلَّا حُكْمَ النَّصِّ، حَيْثُ صَرَّحَ النَّصُّ بِأَنَّهُنَّ لَا يُبَعْنَ وَلَا يُوهَبْنَ لِمَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قولهُ: (وَكَذَا إذَا كَانَ بَعْضُهَا مَمْلُوكًا لَهُ وَالْبَعْضُ الْآخِرُ مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ) بِأَنْ كَانَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا وَلَدَهَا ثَبَتَ نَسَبُهُ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَهَذَانِ حُكْمَانِ وَقَعَ التَّشْبِيهُ فِي أَحَدِهِمَا، وَهُوَ أُمُومَةُ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لِثُبُوتِ النَّسَبِ ذِكْرٌ فَقَصَرَ التَّعْلِيلَ عَلَيْهِ وَهُوَ.
قولهُ: (لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ) أَيْ فِيمَا يُمْكِنُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ وَهِيَ الْقِنَّةُ فَتَصِيرُ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ لَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ فِيمَا لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ كَالْمُدَبَّرَةِ فَإِنَّهُ يَتَجَزَّأُ ضَرُورَةَ عَدَمِ قَبُولِهِ لِلنَّقْلِ فَيَقْتَصِرُ بِالضَّرُورَةِ.
فَلِذَا قَدَّمَ فِي بَابِ الْعَبْدِ يُعْتَقُ بَعْضُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ فَلَا تَنَاقُضَ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ: أَيْ لَا يَكُونُ مَعَهُ بَعْضُ الْمُسْتَوْلَدَةِ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ الْمُسْتَوْلِدِ إلَّا لِضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهُوَ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ رِوَايَتَانِ فَبَعِيدٌ فَلِذَا لَمَّا قَالَ الْمُصَنِّفُ: إنَّهُ يَتَجَزَّأُ فِي بَابِ الْعَبْدِ يُعْتَقُ بَعْضُهُ لَمْ يَجْعَلْ أَثَرَهُ إلَّا فِيمَا إذَا اسْتَوْلَدَ نَصِيبَهُ مِنْ مُدَبَّرَةٍ، وَأَمَّا تَعْلِيلُ ثُبُوتِ النَّسَبِ فَإِنَّمَا هُوَ بِوُجُودِ الدَّعْوَةِ فِي الْمَمْلُوكَةِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ مِلْكَ الْبَعْضِ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ.

متن الهداية:
قَالَ: (وَلَهُ وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَزْوِيجُهَا) لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهَا قَائِمٌ فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَهُ وَطْؤُهَا وَاسْتِخْدَامُهَا وَإِجَارَتُهَا وَتَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ قَائِمٌ فِيهَا) وَهُوَ مُطْلَقٌ لِهَذِهِ الْأُمُورِ.
(فَأَشْبَهَتْ الْمُدَبَّرَةَ) وَمَنَعَ مَالِكٌ إجَارَتَهَا كَبَيْعِهَا وَهُوَ بَعِيدٌ، وَامْتِنَاعُ الْبَيْعِ لِنَقْلِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لَا غَيْرُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْإِجَارَةِ وَيَمْلِكُ كَسْبَهَا وَلَهُ إعْتَاقُهَا وَكِتَابَتُهَا.
وَأَوْرَدَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَمْلِكَ تَزْوِيجَهَا؛ لِأَنَّ تَوَهُّمَ شَغْلِ رَحِمِهِمَا بِمَاءِ الْمَوْلَى قَائِمٌ، وَتَوَهُّمَ الشَّغْلِ مَانِعٌ مِنْ النِّكَاحِ كَمَا فِي الْمُعْتَدَّةِ، غَيْرَ أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ جَعَلَ لَهَا الشَّرْعُ حَالًا يُحْكَمُ فِيهِ بِالْفَرَاغِ فَجَازَ نِكَاحُهَا عِنْدَ وُجُودِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِأُمِّ الْوَلَدِ مِثْلَهُ سِوَى الِاسْتِبْرَاءِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ قَبْلَهُ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّ جَوَازَ النِّكَاحِ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَ الْوَطْءِ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي خُرُوجِهِ فَلَا يَخْرُجُ بِالشَّكِّ، بِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَحَقَّقَ خُرُوجُهَا عَنْ مَحَلِّيَّةِ نِكَاحِ الْغَيْرِ فَلَا تَعُودُ إلَّا بِمُوجِبٍ وَجَعَلَهُ الشَّارِعُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ الدَّالِ عَلَى الْفَرَاغِ حَقِيقَةً فَلَا تُزَوَّجُ قَبْلَهُ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقول: إذَا سَلِمَ أَنَّ احْتِمَالَ الشَّغْلِ مَانِعٌ وَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِهِ بَعْدَ الْوَطْءِ لَزِمَ تَحَقُّقُ خُرُوجِ الْجَوَازِ لَا وُقُوعُ الشَّكِّ فِيهِ كَالْعِدَّةِ، وَوَجَبَ أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا إلَّا بَعْدَ اسْتِبْرَائِهَا.
وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ بَعْدَهُ أَفْضَلُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ حَيْثُ قَالَ: وَإِنَّ زَوَّجَ أُمَّ وَلَدِهِ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا فِرَاشٌ لِمَوْلَاهَا حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ بِالدَّعْوَةِ، فَلَوْ صَحَّ النِّكَاحُ حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مُتَأَكَّدٍ حَتَّى يَنْتَفِيَ وَلَدُهَا بِالنَّفْيِ مِنْ غَيْرِ لِعَانٍ فَلَا يُعْتَبَرُ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْحَمْلُ، فَأَفَادَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ لَيْسَ إلَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ لَا تَوَهُّمُ الشَّغْلِ، وَهَذَا حَقٌّ لِمَا عُرِفَ مِنْ مَسْأَلَةِ: مَا إذَا رَأَى امْرَأَةً تَزْنِي فَتَزَوَّجَهَا حَيْثُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَحِلُّ الْوَطْءُ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ الشَّغْلِ ثَابِتٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ الزِّنَا لَيْسَ ثَابِتَ النَّسَبِ جَازَ النِّكَاحُ وَالْوَطْءُ؛ لِانْتِفَاءِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ، وَلِذَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ تَزَوُّجُ الْحَامِلِ مِنْ الزِّنَا لِانْتِفَاءِ الْفِرَاشِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْؤُهَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى تَضَعَ وَامْتِنَاعُ نِكَاحِ الْمُهَاجِرَةِ الْحَامِلِ لِثُبُوتِ نَسَبِهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ فَالْجَوَابُ الْحَقُّ مَنْعُ كَوْنِ احْتِمَالِ الشَّغْلِ بِالْمَاءِ مَانِعًا فَلِذَا جَازَ النِّكَاحُ عَقِيبَ وَطْئِهَا، وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ أَوْ يَجِبُ الِاسْتِبْرَاءُ، إنَّمَا الْمَانِعُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ الْقَوِيَّيْنِ، وَفِرَاشُ أُمِّ الْوَلَدِ لَيْسَ قَوِيًّا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَكُونُ مَانِعًا مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الْحَمْلُ، بِخِلَافِ الْمُعْتَدَّةِ فَإِنَّهَا فِرَاشٌ حَالَ الْعِدَّةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا مُتَعَيِّنَةٌ لِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ فَفِي تَزَوُّجِهَا جَمْعٌ بَيْنَ الْفِرَاشَيْنِ.
فَرْعٌ:
إذَا بَاعَ خِدْمَةَ أُمِّ وَلَدِهِ مِنْهَا عَتَقَتْ كَمَا إذَا بَاعَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مِنْهُ؛ رَوَاهُ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا تُعْتَقُ، بِخِلَافِ بَيْعِ رَقَبَتِهَا مِنْهَا حَيْثُ تُعْتَقُ.

متن الهداية:
(وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ؛ لِأَنَّهُ لَمَا ثَبَّتَ النَّسَبُ بِالْعَقْدِ فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِالْوَطْءِ وَأَنَّهُ أَكْثَرُ إفْضَاءً أَوْلَى.
وَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ يُقْصَدُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ؛ لِوُجُودِ الْمَانِعِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَةِ بِمَنْزِلَةِ مَالِكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، بِخِلَافِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتَعَيَّنُ مَقْصُودًا مِنْهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الدَّعْوَةِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا) أَيْ وَلَدِ الْأَمَةِ لَا أُمِّ الْوَلَدِ، وَهَذَا رُجُوعٌ إلَى الْمَذْكُورِ أَوَّلَ الْبَابِ فِي قولهِ إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ مِنْ مَوْلَاهَا فَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا، وَهُوَ قول الثَّوْرِيِّ وَالْبَصْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ، وَمَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَعَ الْعَزْلِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ: يَثْبُتُ إذَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا، وَإِنْ عَزَلَ عَنْهَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ اسْتَبْرَأَهَا بَعْدَ الْوَطْءِ بِحَيْضَةٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ فِرَاشًا كَالنِّكَاحِ وَفِيهِ يَلْزَمُ الْوَلَدُ، وَإِنْ اسْتَبْرَأَهَا مَعَ أَنَّ الْحَامِلَ تَحِيضُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَلَا يُفِيدُ الِاسْتِبْرَاءُ، وَهُمْ يَنْفَصِلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْغَالِبَ أَنْ لَا تَحِيضَ وَالْأَمْرُ بِالِاسْتِبْرَاءِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ فَيُحْكَمُ عِنْدَ وُجُودِهِ بِعَدَمِ الْحَمْلِ حُكْمًا بِالْغَالِبِ، وَلَوْ وَطِئَهَا فِي دُبْرِهَا يَلْزَمُهُ الْوَلَدُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ وَجْهٌ مُضَعَّفٌ لِلشَّافِعِيَّةِ.
قولهُ: (لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ) هَذَا وَجْهُ قول الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ بِمَا تَأْتِي بِهِ الْأَمَةُ بِمُجَرَّدِ وَطِئَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ بِعَقْدِ الْبَالِغِ حَتَّى ثَبَتَ نَسَبُ مَا تَأْتِي بِهِ الْمَنْكُوحَةُ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ الْوَطْءُ؛ لِوُجُودِهِ بَعْدَ الْمُفْضِي إلَى الْوَلَدِ فَثُبُوتُهُ بَعْدَ وَطْءِ الْبَالِغِ وَأَنَّهُ أَكْثَرُ إفْضَاءً إلَى وُجُودِ الْوَلَدِ أَوْلَى.
وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْبَالِغِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ الصَّبِيَّ لَا يَثْبُتُ بِهِ نَسَبٌ، وَإِنْ كَانَ بِعَقْدٍ وُضِعَ لِلْوَلَدِ (وَلَنَا أَنَّ وَطْءَ الْأَمَةِ يُقْصَدُ بِهِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ دُونَ الْوَلَدِ؛ لِوُجُودِ الْمَانِعِ) مِنْ قَصْدِهِ وَهُوَ سُقُوطُ تَقَوُّمِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَنُقْصَانِهِ عِنْدَهُمَا فَكَانَ الظَّاهِرُ عَدَمَ قَصْدِهِ فَكَانَ لِلظَّاهِرِ الْعَزْلُ.
وَبِهِ يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ فَلَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْوَطْءِ، وَمَا قِيلَ الْوَطْءُ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ وَقَدْ لَا يُقْصَدُ بِهِ فَلَا يَتَعَيَّنُ عَدَمُهُ.
قُلْنَا: وَلَا يَتَعَيَّنُ وُجُودُهُ كَمَا قُلْتُمْ فَيَبْقَى عَلَى الْأَصْلِ مِنْ الْعَدَمِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ دَلِيلِهِمْ فِيهِ الْمَنْقول مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالت: «اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَعْنِي فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى شَبَهِهِ فَرَأَى شَبَهَهُ فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ فَقَالَ: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ.
وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَضَى بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ وَرِثَهُ لَا عَلَى أَنَّهُ أَخُوهُ، وَلِذَا قَالَ هُوَ لَك وَلَمْ يَقُلْ هُوَ أَخُوك، وَقَالَ: احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ، وَلَوْ كَانَ أَخًا لَهَا بِالشَّرْعِ لَمْ يَجِبْ احْتِجَابُهَا مِنْهُ، فَهَذَا دَفْعٌ بِانْتِفَاءِ لَازِمِ الْأُخُوَّةِ شَرْعًا وَالْأَوَّلُ بِاللَّفْظِ نَفْسِهِ.
وَيُدْفَعُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى «هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدُ» وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالِاحْتِجَابِ فَلِمَا رَأَى مِنْ الشَّبَهِ الْبَيِّنِ بِعُتْبَةَ.
وَيُدْفَعُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ حِينَئِذٍ مُعَارِضَةٌ لِرِوَايَةِ «هُوَ لَك» وَهِيَ أَرْجَحُ؛ لِأَنَّهَا الْمَشْهُورَةُ الْمَعْرُوفَةُ فَلَا تُعَارِضُهَا الشَّاذَّةُ، وَالشَّبَهُ لَا يُوجِبُ احْتِجَابَ أُخْتِهِ شَرْعًا مِنْهُ، وَإِلَّا لَوَجَبَ الْآنَ وُجُوبًا مُسْتَمِرًّا أَنَّ كُلَّ مَنْ أَشْبَهَ غَيْرَ أَبِيهِ الثَّابِتِ نَسَبُهُ مِنْهُ يَجِبُ حُكْمًا لِلشَّبَهِ احْتِجَابُ أُخْتِهِ وَعَمَّتِهِ وَجَدَتْهُ لِأَبِيهِ مِنْهُ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا.
وَإِذْن قولهُ: «لِلْفِرَاشِ الْوَلَدُ» يَنْتَفِي بِهِ نَسَبُهُ عَنْ سَعْدٍ بِأَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ وَعَنْ عَبْدٍ بِأَنَّهُ أَخُوهُ: يَعْنِي أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ وَلَا فِرَاشَ الْوَاحِدِ مِنْ عُتْبَةَ وَزَمْعَةَ فَهُوَ حِينَئِذٍ عَبْدٌ لَك يَا عَبْدُ مِيرَاثٌ لَك مِنْ أَبِيك.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ رُوِيَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ «أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ، وَأَمَّا أَنْتِ فَاحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِأَخٍ» فَتَصْرِيحُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَخَاهَا يُفِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ أَخًا لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، وَبِهِ تَقْوَى مُعَارَضَةُ رِوَايَةِ هُوَ أَخُوك.
وَقوله: «أَمَّا الْمِيرَاثُ فَلَهُ» يُفِيدُ أَنَّهُ أَخُوهُمَا، فَإِمَّا أَنْ يَحْكُمَ بِضَعْفِ الْحَدِيثِ لِتَدَافُعِ مَعْنَاهُ، أَوْ يَجْمَعَ بِأَنَّ الْمُثْبَتَ الْأُخُوَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْمَنْفِيَّ الْأُخُوَّةُ الْحَقِيقَةُ، وَهُوَ أَنْ يُخْلَقَا مِنْ مَاءِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ فِي عَدَمِ الِاحْتِجَابِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى الْأُخُوَّةِ بِمَعْنَى التَّخَلُّقِ مِنْ مَاءِ شَخْصٍ وَاحِدٍ مَعَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا يَتَعَذَّرُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فَاعْتُبِرَ ثَابِتًا بِثُبُوتِ النَّسَبِ مَا لَمْ يُعَارِضْهُ شَبَهُ غَيْرِ الْمَنْسُوبِ كَمَا هُوَ فِي الصُّورَةِ الْمَرْوِيَّةِ، ثُمَّ يَجْعَلُ هَذَا لَيْسَ حُكْمًا مُسْتَمِرًّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا خَاصًّا بِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ حِجَابَهُنَّ مَنِيعٌ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لَهُنَّ: {لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ} وَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْوَلِيدَةِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ وُلِدَتْ لِزَمْعَةَ قَبْلَ ذَلِكَ وَيَكُونُ قولهُ: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» يَعْنِي أُمَّ الْوَلَدِ، وَحِينَئِذٍ فَقولهُ هُوَ لَك: أَيْ مَقْضِيٌّ بِهِ لَك، وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَخُوك كَمَا هُوَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى.
وَأَمَّا مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَطَئُونَ وَلَائِدَهُمْ ثُمَّ يَعْتَزِلُونَهُنَّ، لَا تَأْتِينِي وَلِيدَةٌ يَعْتَرِفُ سَيِّدُهَا أَنَّهُ قَدْ أَلَمَّ بِهَا إلَّا أَلْحَقْت بِهِ وَلَدَهَا، فَاعْتَزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ اُتْرُكُوا.
رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فَمُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ جَارِيَتِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ فَشَقَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَتْ: مِنْ رَاعَى الْإِبِلِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ.
وَأَسْنَدَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي جَارِيَةً فَحَمَلَتْ فَقَالَ: لَيْسَ مِنِّي إنِّي أَتَيْتهَا إتْيَانًا لَا أُرِيدُ بِهِ الْوَلَدَ.
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يَطَأُ جَارِيَةً فَارِسِيَّةً وَيَعْزِلُ عَنْهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَأَعْتَقَ الْوَلَدَ وَجَلَدَهَا.
وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: مِمَّنْ حَمَلْت؟ فَقَالَتْ مِنْك، فَقَالَ: كَذَبْت مَا وَصَلَ إلَيْك مَا يَكُونُ مِنْهُ الْحَمْلُ وَلَمْ يَلْتَزِمْهُ مَعَ اعْتِرَافِهِ بِوَطْئِهَا.
وَالْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ مِنْ قولهِ: إنَّهُ يَلْحَقُ بِالْوَاطِئِ مُطْلَقًا جَازَ لِكَوْنِهِ عَلِمَ مِنْ بَعْضِهِمْ إنْكَارَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ اسْتِلْحَاقُهُ، وَذَلِكَ أَنَّا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَاطِئَ إذَا لَمْ يَعْزِلْ وَحَصَّنَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الِاعْتِرَافُ بِهِ.
فَقَدْ يَكُونُ عَلِمَ مِنْ النَّاسِ إنْكَارَ أَوْلَادِ الْإِمَاءِ مُطْلَقًا فَقَالَ لَهُمْ إنِّي مُلْحِقٌ بِكُمْ إيَّاهُمْ مُطْلَقًا، وَأَمَّا مَنْ عُلِمَ مِنْهُ الِاعْتِدَالُ فِي الْأَمْرِ بِأَنْ يَعْتَرِفَ بِمِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِرَافُ بِهِ وَيَنْفِيَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ نَفْيُهُ أَوْ يَجُوزُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ.

متن الهداية:
(فَإِنْ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِغَيْرِ إقْرَارِ) مَعْنَاهُ بَعْدَ اعْتِرَافٍ مِنْهُ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ بِدَعْوَى الْوَلَدِ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا مِنْهَا فَصَارَتْ فِرَاشًا كَالْمَعْقُودَةِ (إلَّا أَنَّهُ إذَا نَفَاهُ يَنْتَفِي بِقولهِ)؛ لِأَنَّ فِرَاشَهَا ضَعِيفٌ حَتَّى يَمْلِكَ نَقْلَهُ بِالتَّزْوِيجِ، بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ حَيْثُ لَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ بِنَفْيِهِ إلَّا بِاللِّعَانِ؛ لِتَأَكُّدِ الْفِرَاشِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ إبْطَالَهُ بِالتَّزْوِيجِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ حُكْمٌ.
فَأَمَّا الدَّيَّانَةُ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا وَحَصَّنَهَا وَلَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهِ وَيَدَّعِي؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَإِنْ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُحَصِّنْهَا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ يُقَابِلُهُ ظَاهِرٌ آخَرُ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (فَإِنْ جَاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ اعْتَرَفَ بِوَلَدِهَا الْأَوَّلِ (بِوَلَدٍ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِغَيْرِ إقْرَارٍ)؛ لِأَنَّهُ بِالِاعْتِرَافِ بِالْوَلَدِ الْأَوَّلِ تَبَيَّنَ كَوْنُ الْوَلَدِ مَقْصُودًا مِنْ الْوَطْءِ فَصَارَتْ فِرَاشًا، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِ الْفِرَاشِ كَوْنُ الْمَرْأَةِ مَقْصُودًا مِنْ وَطْئِهَا الْوَلَدُ ظَاهِرًا كَمَا فِي أُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ ظَهَرَ قَصْدُهُ إلَى ذَلِكَ أَوْ وَضْعًا شَرْعِيًّا كَالْمَنْكُوحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْوَلَدَ يَثْبُتُ نَسَبُ مَا تَأْتِي بِهِ فَإِنَّمَا حِينَئِذٍ تَكُونُ مُتَعَيَّنَةً لِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ وَهُوَ الَّذِي عَرَّفُوا بِهِ الْفِرَاشَ وَظَهَرَ أَنْ لَيْسَ الْفُرُشُ ثَلَاثَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ بَلْ فِرَاشَانِ: قَوِيٌّ وَهُوَ فِرَاشُ الْمَنْكُوحَةِ، وَضَعِيفٌ وَهُوَ فِرَاشُ أُمِّ الْوَلَدِ بِسَبَبِ أَنَّ وَلَدَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ يَنْتَفِي نَسَبُهُ بِمُجَرَّدِ نَفْيِهِ، بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ لَا يَنْتَفِي نَسَبُ وَلَدِهَا إلَّا بِاللِّعَانِ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِفِرَاشٍ لِمَوْلَاهَا، وَذَلِكَ لِعَدَمِ صِدْقِ حَدِّ الْفِرَاشِ عَلَيْهَا وَهُوَ كَوْنُ الْمَرْأَةِ مُتَعَيَّنَةً لِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ أَوْ كَوْنَهَا يُقْصَدُ بِوَطْئِهَا الْوَلَدُ إلَى آخِرِ مَا قُلْنَاهُ، وَمِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى ضَعْفِهِ كَوْنُهُ يَمْلِكُ نَقْلَهُ بِالتَّزْوِيجِ، بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَةِ، وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنَّهُ لَوْ اعْتَرَفَ فَقَالَ كُنْت أَطَأُ بِقَصْدِ الْوَلَدِ عِنْدَ مَجِيئِهَا بِالْوَلَدِ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُ مَا أَتَتْ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ هُوَ وَلَدِي؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهُ بِقولهِ هُوَ وَلَدِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَطْأَهُ حِينَئِذٍ بِقَصْدِ الْوَلَدِ.
وَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الدَّرْسِ: يَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ لَا يَعْزِلُ عَنْهَا وَحَصَّنَهَا أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى دَعْوَاهُ، وَإِنْ كُنَّا نُوجِبُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الِاعْتِرَافَ بِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُوجِبَ عَلَيْهِ الِاعْتِرَافَ؛ لِيَعْتَرِفَ فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ بَلْ يَثْبُتُ ابْتِدَاءً، وَأَظُنُّ أَنْ لَا بُعْدَ فِي أَنْ يُحْكَمَ عَلَى الْمَذْهَبِ بِذَلِكَ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: إنَّمَا يَمْلِكُ نَفْيَهُ: أَيْ نَفْيَ وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِهِ أَوْ لَمْ يَتَطَاوَلْ الزَّمَانُ، فَأَمَّا بَعْدَ الْقَضَاءِ فَقَدْ لَزِمَهُ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ، وَالتَّطَاوُلُ دَلِيلُ إقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مِنْهُ فِيهَا دَلِيلُ إقْرَارِهِ مِنْ قَبُولِهِ التَّهْنِئَةَ وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ كَالتَّصْرِيحِ بِإِقْرَارِهِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي التَّطَاوُلِ سَبَقَ فِي اللِّعَانِ.
هَذَا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ نَسَبُ مَا تَأْتِي بِهِ فِي حَالِ حِلِّ وَطْئِهَا لَهُ بَعْدَ الْوَلَدِ، أَمَّا لَوْ عَرَضَ بَعْدَهُ حُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ بِأَنَّ وَطِئَهَا أَبُو سَيِّدِهَا أَوْ ابْنُهُ أَوْ وَطِئَ السَّيِّدُ أُمَّهَا أَوْ ابْنَتَهَا أَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِرَضَاعٍ أَوْ بِكِتَابَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ إلَّا بِاسْتِلْحَاقِهِ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ أَنْ تَأْتِيَ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ عُرُوضِ الْحُرْمَةِ أَوْ لِتَمَامِهَا، فَفِي الْأَوَّلِ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ بِلَا دَعْوَةٍ لِلتَّيَقُّنِ بِأَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ قَبْلَ عُرُوضِ الْحُرْمَةِ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْهُ إلَى سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمِ الْإِعْتَاقِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ، وَلَا يُمْكِنُ نَفْيُهُ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهَا تَأَكَّدَ بِالْحُرِّيَّةِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ نَقْلَهُ فَالْتَحَقَ بِفِرَاشِ الْمَنْكُوحَةِ فِي الْعِدَّةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ عَرَضَتْ الْحُرْمَةُ بِحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ إحْرَامٍ حَيْثُ يَثْبُتُ نَسَبُهُ بِالسُّكُوتِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَحْرُمْ مُطْلَقًا وَلَا مُتَعَلِّقًا بِاخْتِيَارِهَا بَلْ مَعَ ذَلِكَ الْعَارِضِ الَّذِي عَرَضَ لَا بِاخْتِيَارِهَا الْمُنْقَضِي عَادَةً بِلَا اخْتِيَارِهَا.
قولهُ: (وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي مِنْ عَدَمِ لِزُمُومِهِ الْوَلَدَ، وَإِنْ اعْتَرَفَ بِالْوَطْءِ مَا لَمْ يَدَّعِهِ (حُكْمٌ) أَيْ فِي الْقَضَاءِ: يَعْنِي لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ بِلَا دَعْوَةٍ، فَأَمَّا الدِّيَانَةُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَالْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ حِينَ وَطِئَهَا لَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا وَحَصَّنَهَا عَنْ مَظَانِّ رِيبَةِ الزِّنَا يَلْزَمُهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَدَّعِيَهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ كَوْنُهُ مِنْهُ، وَالْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ وَاجِبٌ، وَإِنْ كَانَ عَزَلَ عَنْهَا حَصَّنَهَا أَوَّلًا أَوْ لَمْ يَعْزِلْ وَلَكِنْ لَمْ يُحَصِّنْهَا فَتَرَكَهَا تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ بِلَا رَقِيبٍ مَأْمُونٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ (لِأَنَّ هَذَا الظَّاهِرَ) وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْهُ بِسَبَبِ أَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ زِنَا الْمُسْلِمَةِ (يُقَابِلُهُ) أَيْ يُعَارِضُهُ (ظَاهِرٌ آخَرُ) وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِوُجُودِ أَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَهُمَا الْعَزْلُ أَوْ عَدَمُ التَّحْصِينِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ لَفْظَةَ أَوْ فِي قولهِ، وَإِنْ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُحَصِّنْهَا أَوْلَى مِنْ الْوَاوِ لِتَنْصِيصِهَا عَلَى الْمُرَادِ.
وَصَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: فَأَمَّا إذَا عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُحَصِّنْهَا فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ. اهـ.
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ كَوْنَهُ مِنْ غَيْرِهِ عِنْدَ ضَبْطِهِ الْعَزْلَ ظَاهِرٌ، وَأَمَّا ظُهُورُ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِهِ إذَا أَفْضَى إلَيْهَا وَلَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا مَحِلُّ نَظَرٍ، بَلْ أَوْرَدَ أَنَّ الْمُصَنِّفَ عَلَّلَ وُجُوبَ الْغُسْلِ بِالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ بِأَنَّهُ سَبَبُ الْإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ، وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ فَيَقْتَضِي هَذَا ثُبُوتَ النَّسَبِ بَعْدَ الْوَطْءِ، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، وَإِلَّا تَنَاقَضَ.
وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَقول بِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ الْأَمَةُ بِمُجَرَّدِ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ بِلَا إنْزَالٍ، بَلْ إنَّهُ يَثْبُتُ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يَعْزِلْ، وَهَذَا فَرْعُ الْإِنْزَالِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْمَذْكُورُ فِي الْغُسْلِ بَيَانُ حِكْمَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى إيجَابِ الْغُسْلِ بِمُجَرَّدِ الْإِيلَاجِ فَظَهَرَ مِنْ الشَّرْعِ فِيهِ غَايَةُ الِاحْتِيَاطِ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ الشَّرْعِ مِثْلُهُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ، بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَلْحَقَ نَسَبُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يُسْتَلْحَقَ نَسَبُ مَنْ هُوَ مِنْهُ فَكَانَ أَمْرُ الِاسْتِلْحَاقِ مَبْنِيًّا عَلَى الْيَقِينِ أَوْ الظُّهُورِ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ مَا يُوجِبُ شَكًّا.
قولهُ: (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَعَنْ مُحَمَّدٍ) ذَكَرَهُمَا فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ إذَا وَطِئَهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئْهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَدَّعِيَهُ سَوَاءٌ عَزَلَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يَعْزِلْ حَصَّنَهَا أَوْ لَمْ يُحَصِّنْهَا تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهَا وَحَمْلًا لِأَمْرِهَا عَلَى الصَّلَاحِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ خِلَافُهُ، وَهَذَا كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ مَا ظَهَرَ سَبَبُهُ يَكُونُ مُحَالًا بِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدَّعِيَ وَلَدَهَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْهُ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتِقَ الْوَلَدَ.
وَفِي الْإِيضَاحِ ذَكَرَهُمَا بِلَفْظِ الِاسْتِحْبَابِ فَقَالَ: قَالَ أَبُو يُوسُفَ: أُحِبُّ أَنْ يَدَّعِيَهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أُحِبُّ أَنْ يُعْتِقَ الْوَلَدَ فَهَذَا يُفِيدُ الِاسْتِحْبَابَ، وَعِبَارَةُ الْمَبْسُوطِ تُفِيدُ الْوُجُوبَ.

متن الهداية:
(فَإِنْ زَوَّجَهَا فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ)؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحُرِّيَّةِ يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ كَالتَّدْبِيرِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْحُرَّةِ حُرٌّ وَوَلَدَ الْقِنَّةِ رَقِيقٌ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا إذْ الْفَاسِدُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ، وَيُعْتَقُ الْوَلَدُ وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لِإِقْرَارِهِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (فَإِنْ زَوَّجَهَا الْمَوْلَى فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ) يَعْنِي مِنْ الزَّوْجِ (فَهُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ) حَتَّى لَا يَجُوزَ لِلسَّيِّدِ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ وَلَا رَهْنُهُ وَيُعْتَقُ بِمَوْتِهِ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَلَا يَسْعَى لِأَحَدٍ، وَلَهُ اسْتِخْدَامُهُ، وَإِجَارَتُهُ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ جَارِيَةً لَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا، وَهَذِهِ إجْمَاعِيَّةٌ وَهِيَ وَارِدَةٌ عَلَى إطْلَاقِهِ حَيْثُ قَالَ: هُوَ فِي حُكْمِ أُمِّهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الصِّفَاتِ الْقَارَّةَ فِي الْأُمَّهَاتِ تَسْرِي إلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهَا فَيَحْدُثُ الْوَلَدُ عَلَى صِفَتِهَا كَالتَّدْبِيرِ، وَلِهَذَا كَانَ وَلَدُ الْقِنَّةِ قِنًّا، وَوَلَدُ الْحُرَّةِ حُرًّا، وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ ادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ فِرَاشَهُ أَقْوَى، وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالصَّحِيحِ فِي حَقِّ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ، وَالنَّسَبُ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتًا فَلَا يَثْبُتُ مِنْ الْمَوْلَى، وَالْأَوْجُهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى قُوَّةِ الْفِرَاشِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَهُ الْمَرْجُوحُ، وَإِلَّا فَالْوَلَدُ يَثْبُتُ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا سَيُذْكَرُ.
وَقول الْمُصَنِّفِ؛ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا فِرَاشَ لِلْمَوْلَى حَالَ كَوْنِهَا زَوْجَةً لِلْغَيْرِ أَصْلًا، وَهَذَا إذَا جَاءَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ النِّكَاحِ، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ فَهُوَ ابْنٌ لِلسَّيِّدِ وَالنِّكَاحُ فَاسِدٌ، وَيُسْتَحَبُّ بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يُزَوِّجَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ احْتِيَاطًا، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ صَحَّ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الزَّوْجِ ثُمَّ يُعْتَقُ بِدَعْوَةِ الْمَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِإِقْرَارِهِ بِحُرِّيَّتِهِ حَيْثُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ ابْنُهُ فَإِنَّ ابْنَهُ مِنْ أَمَتِهِ يَعْلَقُ حُرًّا كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّهُ عَارَضَهُ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ مُعَارِضٌ أَقْوَى مِنْهُ فَلَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ بِهِ، وَلَمْ يُعَارِضْهُ فِي ثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ بِهِ ذَلِكَ فَأَخَذَ بِزَعْمِهِ.
وَلَمْ يُسْتَحْسَنْ قول الْمُصَنِّفِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحْسَنُ لَوْ كَانَ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ أُمَّ وَلَدٍ كَالصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَبْسُوطِ: زَوَّجَ أَمَتَهُ مِنْ عَبْدِهِ فَوَلَدَتْ فَادَّعَاهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَلَكِنْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهَا بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ، وَقَدْ تَكَلَّفَ لَهُ أَنَّ قولهُ وَوَلَدُ الْقِنَّةِ قِنٌّ ابْتِدَاءً وَمَا بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَيْهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَلَدُ الْقِنَّةِ قِنٌّ وَنَسَبُهُ يَثْبُتُ مِنْ الزَّوْجِ إذَا زَوَّجَهَا مَوْلَاهَا، وَحِينَئِذٍ يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ذُكِرَ لِبَيَانِ سِرَايَةِ وَصْفِ الْأُمِّ إلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ ابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ بِمَنْزِلِهَا قولهُ: (وَيُعْتَقُ الْوَلَدُ) أَيْ وَلَدُ أُمِّ الْوَلَدِ الْمُزَوَّجَةِ الَّذِي ادَّعَاهُ بِعِتْقٍ؛ لِأَنَّهُ مِلْكَهُ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنَهُ.
(وَتَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) تُعْتَقُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهَا بِحَقِّ الْحُرِّيَّةِ حَيْثُ ادَّعَى أَنَّ وَلَدَهَا مِنْهُ وَعِتْقُ الْوَلَدِ ظَاهِرٌ بَلْ قَدْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ عَلِقَ الْوَلَدُ حُرًّا مِنْ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَثْبُتُ أُمُومِيَّةُ الْوَلَدِ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ؟ أُجِيبُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ بِالِاسْتِيلَادِ كَافٍ لِثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ، وَإِنْ كَانَ فِي ضِمْنِ مَا لَمْ يَثْبُتْ، وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ وَعْدُهُ مَعَ أَنَّ احْتِمَالَ كَوْنِهِ مِنْ السَّيِّدِ قَائِمٌ؛ لِجَوَازِهِ بِوَطْءٍ قَبْلَ النِّكَاحِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي حَقِّ ثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِثُبُوتِهِ مِنْ الزَّوْجِ فَبَقِيَ مُعْتَبَرًا فِي الْأُمِّ لِحَاجَتِهَا إلَى الْأُمُومِيَّةِ الْمُوصِلَةِ إلَى الْعِتْقِ.

متن الهداية:
(وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ) لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَنْ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ وَلَا يُجْعَلْنَ مِنْ الثُّلُثِ».
وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوَلَدِ أَصْلِيَّةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ وَالدَّيْنِ كَالتَّكْفِينِ، بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مِنْ زَوَائِدِ الْحَوَائِجِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَتْ) يَعْنِي أُمَّ الْوَلَدِ (مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ لِحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَأَنْ لَا يُبَعْنَ فِي دَيْنٍ وَلَا يُجْعَلْنَ مِنْ الثُّلُثِ») وَفِي نُسْخَةٍ مَكَانُ لَا يُبَعْنَ «لَا يَسْعَيْنَ»، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَعْلِيلِهِ وَلَا سِعَايَةَ إلَخْ بِقولهِ (لِمَا رَوَيْنَا) أَيْ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ السِّعَايَةَ عَنْهَا حَيْثُ قَال: «وَأَنْ لَا يَسْعَيْنَ» وَمَا قِيل: «وَأَنْ لَا يُبَعْنَ» يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْبَيْعِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمَالِيَّةِ إلَخْ مَنْقُوضٌ بِالْمُدَبَّرِ، ثُمَّ لَمْ يُعْرَفْ هَذَا الْحَدِيثُ، وَالشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الزَّيْلَعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّهُ غَرِيبٌ قَالَ: وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ، وَسَاقَ كَثِيرًا مِمَّا قَدَّمْنَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى أَنَّهَا لَا تُمَلَّكُ وَتُعْتَقُ بِالْمَوْتِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلَّهَا فِي غَيْرِ الْمَقْصُودِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهَا تُعْتَقُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ذَلِكَ، فَإِنَّ عِتْقَهَا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهَا مِنْ كُلِّ الْمَالِ كَالْمُدَبَّرِ يُعْتَقُ بِالْمَوْتِ وَلَا يَكُونُ مِنْ كُلِّهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إلَّا أَنَّ جَمَاعَةً تَكَلَّمُوا فِي عَبْدِ الْمَلِكِ قولهُ: (وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الْوَلَدِ أَصْلِيَّةٌ) كَحَاجَتِهِ إلَى الْأَكْلِ: أَيْ وَحَاجَتُهُ إلَى أُمِّهِ مُسَاوِيَةٌ لِحَاجَتِهِ إلَى الْوَلَدِ وَلِهَذَا جَازَ اسْتِيلَادُهُ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِحَاجَتِهِ إلَى وُجُودِ نَسْلِهِ كَمَا جَازَ لَهُ أَكْلُ مَالِهِ لِلْحَاجَةِ وَحَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَا تَسْعَى لِلْغُرَمَاءِ وَعَلَى الْإِرْثِ فَلَا تَسْعَى لِلْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ إذَا لَمْ تَخْرُجُ مِنْهُ فَصَارَ إعْتَاقُهَا كَالدَّفْنِ وَالتَّكْفِينِ (بِخِلَافِ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مِنْ زَوَائِدِ الْحَوَائِجِ) لَا مِنْ الْأَصْلِيَّةِ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ نَسَبُ وَلَدٍ يَتْبَعُهُ أُمُومَةٌ فَلَا يُقَدَّمُ عِتْقُ الْمُدَبَّرِ عَلَى الدَّيْنِ، وَلَا عَلَى حَقِّ الْوَرَثَةِ فَيُعْتَقُ مِنْ الثُّلُثِ، فَإِنْ لَمْ يَسَعْهُ سَعَى فِي بَاقِي قِيمَته، وَلَوْ كَانَ دَيْنُ السَّيِّد مُسْتَغْرِقًا سَعَى فِي كُلّ قِيمَتِهِ عَلَى مَا سَلَفَ.

متن الهداية:
(وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا فِي دَيْنِ الْمَوْلَى لِلْغُرَمَاءِ) لَمَا رَوَيْنَا، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ حَتَّى لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَالْقِصَاصِ، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَلِأَنَّهَا) أَيْ أُمَّ الْوَلَدِ (لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (حَتَّى لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ عِنْدَهُ) يَعْنِي إذَا مَاتَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ حَتْفَ أَنْفِهَا، بِخِلَافِ الْمُدَبَّرَ إذَا مَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ، وَكَذَا لَا تَضْمَنُ بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا بِالْإِعْتَاقِ بِأَنْ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا وَلَا تَسْعَى هِيَ فِي شَيْءٍ أَيْضًا، وَعِنْدَهُمَا تَضْمَنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ، وَإِنَّمَا تُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الصَّبِيُّ الْحُرُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِأَنْ ذَهَبَتْ بِهَا إلَى طَرِيقٍ فِيهَا سِبَاعٌ فَأَتْلَفَتْهَا، وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا تُضْمَنُ بِالْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ دَمٍ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا.
(لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْغُرَمَاءِ كَالْقِصَاصِ) يَعْنِي إذَا مَاتَ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ وَهُوَ مَدْيُونٌ فَلَيْسَ لِأَصْحَابِ الدُّيُونِ أَنْ يُطَالِبُوا مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ بِدَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ مَالًا مُتَقَوِّمًا حَتَّى يَأْخُذُوا بِمُقَابَلَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِصَاصِ مَالًا.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ إذَا قَتَلَ الْمَدْيُونُ شَخْصًا لَا يَقْدِرُ الْغُرَمَاءُ عَلَى مَنْعِ وَلِيِّ الْقِصَاصِ مِنْ قَتْلِهِ قِصَاصًا.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ إذَا قَتَلَ رَجُلًا مَدْيُونًا وَعَفَا الْمَدْيُونُ قَبْلَ مَوْتِهِ صَحَّ، وَلَيْسَ لِأَرْبَابِ الدُّيُونِ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْعَفْوِ.
وَقِيلَ إذَا قَتَلَ شَخْصٌ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لَا يَضْمَنُ الْقَاتِلُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ حَقًّا مَالِيًّا وَالْأَقْرَبُ الْمُتَبَادَرُ الْأَوَّلُ.

متن الهداية:
(وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا) وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لَا تُعْتَقُ حَتَّى تُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ.
وَقَالَ زُفَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ: تُعْتَقُ فِي الْحَالِ وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا عُرِضَ عَلَى الْمَوْلَى الْإِسْلَامُ فَأَبَى، فَإِنْ أَسْلَمَ تَبْقَى عَلَى حَالِهَا.
لَهُ أَنَّ إزَالَةَ الذُّلِّ عَنْهَا بَعْدَمَا أَسْلَمَتْ وَاجِبَةٌ وَذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْ الْإِعْتَاقِ وَقَدْ تَعَذَّرَ الْبَيْعُ فَتَعَيَّنَ الْإِعْتَاقُ.
وَلَنَا أَنَّ النَّظَرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي جَعْلِهَا مُكَاتَبَةً؛ لِأَنَّهُ يَنْدَفِعُ الذُّلُّ عَنْهَا بِصَيْرُورَتِهَا حُرَّةً يَدًا وَالضَّرَرُ عَنْ الذِّمِّيِّ لِانْبِعَاثِهَا عَلَى الْكَسْبِ نَيْلًا لِشَرَفِ الْحُرِّيَّةِ فَيَصِلُ الذِّمِّيُّ إلَى بَدَلِ مِلْكِهِ، أَمَّا لَوْ أُعْتِقَتْ وَهِيَ مُفْلِسَةٌ تَتَوَانَى فِي الْكَسْبِ وَمَالِيَّةُ أُمُّ الْوَلَدِ يَعْتَقِدُهَا الذِّمِّيُّ مُتَقَوِّمَةً فَيُتْرَكُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ مُتَقَوِّمَةً فَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ، وَهَذَا يَكْفِي لِوُجُوبِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الْقِصَاصِ الْمُشْتَرَكِ إذَا عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ يَجِبُ الْمَالُ لِلْبَاقِينَ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْعَى فِي قِيمَتِهَا) يَعْنِي إذَا أَسْلَمَتْ فَعُرِضَ الْإِسْلَامُ عَلَى مَوْلَاهَا فَأَبَى فَإِنَّهُ يُخْرِجُهَا الْقَاضِي عَنْ وِلَايَتِهِ بِأَنْ يُقَدِّرَ قِيمَتَهَا فَيُنَجِّمَهَا عَلَيْهَا فَتَصِيرُ مُكَاتَبَةً إلَّا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَى الرِّقِّ وَلَوْ عَجَزَتْ نَفْسُهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ رُدَّتْ إلَى الرِّقِّ رُدَّتْ إلَى الْكِتَابَةِ لِقِيَامِ إسْلَامِهَا وَهُوَ الْمُوجِبُ فَلَا فَائِدَةَ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ التَّعْجِيزِ، وَعَلَى هَذَا إذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ النَّصْرَانِيِّ وَتَسْمِيَةُ مِثْلِ هَذَا دَوْرًا عَلَى التَّشْبِيهِ، وَإِلَّا فَاللَّازِمُ لَيْسَ إلَّا مَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَهَذَا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ أَنَّهَا لَا تُقَدَّرُ إلَّا كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَوْ وَجَدَتْ الْمَالَ فِي الْحَالِ لَمْ يُحْتَجْ إلَى ذَلِكَ.
(وَقَالَ زُفَرُ: تُعْتَقُ لِلْحَالِ) أَيْ لِحَالِ إبَاءِ مَوْلَاهَا الْإِسْلَامَ (وَالسِّعَايَةُ دَيْنٌ عَلَيْهَا) تُطَالَبُ بِهَا وَهِيَ حُرَّةٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ عِنْدَ الْعَرْضِ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا بِالِاتِّفَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالظَّاهِرِيَّةُ: تُعْتَقُ مَجَّانًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُحَالُ بَيْنَهُمَا فَلَا يُمَكَّنُ مِنْ الْخَلْوَةِ بِهَا فَضْلًا عَنْ انْتِفَاعٍ مِنْ الِانْتِفَاعَاتِ وَيُجْبَرُ عَلَى نَفَقَتِهَا إلَى أَنْ يَمُوتَ فَتُعْتَقَ بِمَوْتِهِ أَوْ يُسْلِمَ فَتَحِلَّ لَهُ.
وَجْهُ قول زُفَرَ أَنَّ النَّظَرَ، وَدَفْعَ الضَّرَرِ عَنْ الذِّمِّيِّ وَاجِبٌ لِذِمَّتِهِ وَعَنْ الْمُسْلِمِ؛ لِإِسْلَامِهِ وَذَلِكَ فِي إعْتَاقِهَا بِالْقِيمَةِ لَهُ، بِخِلَافِ مَجَّانًا كَمَا قَالَ مَالِكٌ، فَإِنَّهُ إهْدَارُ مَا يَجِبُ لَهُ مِنْ النَّظَرِ إذَا أَمْكَنَ.
وَأَمَّا قول الشَّافِعِيِّ فَفِيهِ زِيَادَةُ إضْرَارٍ بِهِ مِنْ إيجَابِ النَّفَقَةِ بِلَا انْتِفَاعٍ مَعَ إمْكَانِ دَفْعِهِ عَنْهُ.
قُلْنَا: الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت غَيْرَ أَنَّ قولنَا أَدْفَعُ لِلضَّرَرِ عَنْهُ وَعَنْهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الْبَدَلِ عَقِيبَ عِتْقِهَا؛ لِأَنَّهَا تُعْتَقُ مُفْلِسَةً، وَرُبَّمَا تَتَوَانَى فِي الِاكْتِسَابِ إذَا كَانَ مَقْصُودُ الْعِتْقِ قَدْ حَصَلَ لَهَا قَبْلَهُ فَيَتَضَرَّرُ الذِّمِّيُّ لِذَلِكَ وَتَتَضَرَّرُ هِيَ بِشَغْلِ ذِمَّتِهَا بِحَقِّ ذِمِّيٍّ، وَرُبَّمَا تَمُوتُ قَبْلَ إيفَائِهَا حَقَّهُ، وَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا: خُصُومَةُ الذِّمِّيِّ وَالدَّابَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَدُّ مِنْ خُصُومَةِ الْمُسْلِمِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفَ عِتْقُهَا عَلَى الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ حَامِلٌ عَلَى الْإِيفَاءِ فَكَانَ اعْتِبَارُنَا أَوْلَى إذْ كَانَ أَنْظَرَ لِلْجَانِبَيْنِ.
وَقولهُ: (وَمَالِيَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إلَخْ) جَوَابُ سُؤَالٍ يَرُدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قولهِ بِنَفْيِ مَالِيَّةِ أُمِّ الْوَلَدِ هُوَ أَنَّهَا كَيْفَ تَسْعَى.
فِي قِيمَتِهَا وَلَا قِيمَةَ لَهَا لِانْتِفَاءِ الْمَالِيَّةِ عِنْدَك فَقَالَ الذِّمِّيُّ يَعْتَقِدُ تَقَوُّمَهَا (فَيُتْرَكُ وَمَا يَعْتَقِدُهُ) أَيْ مَعَ مَا يَعْتَقِدُهُ.
وَلِأَنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ فَقَدْ أُمِرْنَا بِاعْتِبَارِهَا مُتَقَوِّمَةً فِي حَقِّهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ قِيمَةَ أُمِّ الْوَلَدِ ثُلُثُ قِيمَتِهَا قِنَّةً مَعَ الْخِلَافِ فِيهِ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُتَقَوِّمَةً مُطْلَقًا فَهِيَ مُحْتَرَمَةٌ، وَهَذَا يَكْفِي لِإِيجَابِ الضَّمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَضْمُونُ مَالًا كَمَا فِي الْقِصَاصِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّينَ إذَا عَفَا أَحَدُ الْأَوْلِيَاءِ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ يَجِبُ الْمَالُ لِلْبَاقِينَ؛ لِأَنَّهُ احْتَبَسَ نَصِيبُهُمْ عِنْدَ الْقَاتِلِ بِعَفْوِ مَنْ عَفَا، وَلَيْسَ نَصِيبُهُمْ حَقًّا مَالِيًّا بَلْ حَقٌّ مُحْتَرَمٌ فَيَلْزَمُهُ بَدَلُهُ بِمَنْزِلَةِ إزَالَةِ مِلْكِهِ بِلَا بَدَلٍ فَيَتَضَرَّرُ الذِّمِّيُّ إلَّا أَنَّ هَذَا لَوْ تَمَّ اسْتَلْزَمَ التَّضْمِينَ بِغَصْبِ الْمَنَافِعِ وَغَصْبِ أُمِّ الْوَلَدِ حَيْثُ اُعْتُبِرَ لِلضَّمَانِ مُجَرَّدُ الِاحْتِرَامِ.
وَوُجِّهَ أَيْضًا بِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ بِمُقَابَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَهُوَ فَكُّ الْحَجْرِ فَلَمْ تَدُلَّ السِّعَايَةُ عَلَى تَقَوُّمِ أُمِّ الْوَلَدِ، وَأَنْتَ سَمِعْت فِي الْعِتْقِ عَلَى جُعْلٍ وَجْهَ كَوْنِ ذَلِكَ الْمَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَدَلَ مَا هُوَ مَالٌ فَارْجِعْ إلَيْهِ، وَأَنَّ كَوْنَهُ بَدَلَ مَا لَيْسَ بِمَالٍ قول مُحَمَّدٍ.

متن الهداية:
(وَلَوْ مَاتَ مَوْلَاهَا عَتَقَتْ بِلَا سِعَايَةٍ)؛ لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ عَجَزَتْ فِي حَيَاتِهِ لَا تُرَدُّ قِنَّةً؛ لِأَنَّهَا لَوْ رُدَّتْ قِنَّةً أُعِيدَتْ مُكَاتَبَةً لِقِيَامِ الْمُوجِبِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا مَاتَ مَوْلَاهَا النَّصْرَانِيُّ عَتَقَتْ) وَسَقَطَتْ عَنْهَا السِّعَايَةُ.
(لِأَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لَهُ).

متن الهداية:
(وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِمِلْكِ يَمِينٍ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ ثُمَّ مَلَكَهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَنَا، وَلَهُ فِيهِ قولانِ وَهُوَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ.
لَهُ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِرَقِيقٍ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ كَمَا إذَا عَلِقْت مِنْ الزِّنَا ثُمَّ مَلَكَهَا الزَّانِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ بِاعْتِبَارِ عُلُوقِ الْوَلَدِ حُرًّا؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ الْأُمِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْجُزْءُ لَا يُخَالِفُ الْكُلَّ.
وَلَنَا أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْئِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَالْجُزْئِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ الْوَاحِدِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمُلَا وَقَدْ ثَبَتَ النَّسَبُ فَتَثْبُتُ الْجُزْئِيَّةُ بِهَذِهِ الْوَاسِطَةِ، بِخِلَافِ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ فِيهِ لِلْوَلَدِ إلَى الزَّانِي، وَإِنَّمَا يُعْتَقُ عَلَى الزَّانِي إذَا مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ حَقِيقَةً بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ.
نَظِيرُهُ مَنْ اشْتَرَى أَخَاهُ مِنْ الزِّنَا لَا يُعْتَقُ؛ لِأَنَّهُ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِوَاسِطَةِ نِسْبَتِهِ إلَى الْوَالِدِ وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَمَنْ اسْتَوْلَدَ أَمَةَ غَيْرِهِ بِنِكَاحٍ) يَعْنِي تَزَوَّجَ أَمَةً لِغَيْرِهِ فَوَلَدَتْ لَهُ (ثُمَّ مَلَكَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ) بِذَلِكَ الْوَلَدِ الَّذِي وَلَدَتْهُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلَوْ كَانَ نِكَاحًا فَاسِدًا وَهُوَ قول أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ.
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) وَهُوَ قول مَالِكٍ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ لَوْ جَاءَتْ بِهِ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ فَمَلَكَهَا، ثُمَّ عِنْدَنَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مِنْ وَقْتِ مِلْكِهَا لَا مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ، وَعِنْدَ زُفَرَ مِنْ وَقْتِ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أُمُومِيَّةَ الْوَلَدِ عِنْدَ الْمِلْكِ بِالْعُلُوقِ السَّابِقِ فَبَعْدَ ذَلِكَ الْعُلُوقِ كُلُّ مَنْ وُلِدَ لَهَا ثَبَتَ لَهُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ، وَنَحْنُ نَقول: إنَّمَا ثَبَتَ فِيهَا وَصْفُ الْأُمِّيَّةِ بَعْدَ الْمِلْكِ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ مُتَقَدِّمٍ فَقَبْلَهُ الْوَلَدُ مُنْفَصِلٌ وَلَا سِرَايَةَ فِي الْمُنْفَصِلِ قَبْلَ الْأُمُومَةِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ وَلَدًا لَهَا مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا لَهُ بَيْعُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنَ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَ وَلَدَهُ مِنْهَا قَبْلَ مِلْكِهَا فَإِنَّهُ يُعْتَقُ عَلَيْهِ اتِّفَاقًا.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: لَوْ طَلَّقَهَا فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اشْتَرَى الْكُلَّ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَتَقَ وَلَدُهُ، وَوَلَدُهَا مِنْ غَيْرِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ خِلَافًا لَزُفَرَ، بِخِلَافِ الْحَادِثِ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ فِي حُكْمِ أُمِّهِ، وَلَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ أَوْ بِنِكَاحٍ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَظَهَرَتْ أَمَةً تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَنَا.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قولانِ: فِي قول تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَفِي آخَرَ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ (وَهُوَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ) وَهُوَ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ قولهُ: (لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ (أَنَّهَا عَلِقَتْ بِرَقِيقٍ فَلَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ كَمَا إذَا عَلِقَتْ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ مَلَكَهُ الزَّانِي، وَهَذَا؛ لِأَنَّ أُمُومَةَ الْوَلَدِ بِاعْتِبَارِ عُلُوقِ الْوَلَدِ حُرًّا)، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الْأُمُومَةَ بِاعْتِبَارِ عُلُوقِ الْوَلَدِ حُرًّا؛ (لِأَنَّهُ جُزْءُ الْأُمِّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْجُزْءُ لَا يُخَالِفُ الْكُلَّ) وَهُوَ حُرٌّ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَسْتَحِقَّ هِيَ الْحُرِّيَّةَ.
وَاعْتَرَضَ مَنْ قَصُرَ نَظَرُهُ عَلَى خُصُوصِ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ الرِّقَّ فِي أُمِّ الْوَلَدِ مُسْتَمِرٌّ إلَى مَوْتِ سَيِّدِهَا، وَالْوَلَدُ عَلِقَ حُرًّا فَقَدْ خَالَفَ الْجُزْءُ الْكُلَّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مُنْفَصِلٌ وَلَيْسَ كَالْمُتَّصِلِ، وَتَمَامُ تَقْرِيرِ الْمَذْكُورِ يَدْفَعُ هَذَا الِاعْتِرَاضَ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ اقْتِصَارًا لِلْعِلْمِ بِبَقِيَّةِ التَّقْرِيرِ.
وَحَاصِلُ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَنَّ جُزْأَهَا حُرٌّ وَمُقْتَضَاهُ حُرِّيَّتُهَا، إذْ لَا يُخَالِفُ الْجُزْءُ الْكُلَّ، إلَّا أَنَّ الِاتِّصَالَ بِعَرْضِيَّةِ الِانْفِصَالِ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ جُزْءًا حَالَةَ الِاتِّصَالِ لَكِنَّهُ جُعِلَ كَشَخْصٍ عَلَى حِدَةٍ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ حَتَّى جَازَ إعْتَاقُهُ دُونَهَا فَثَبَتَ بِهِ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ عَمَّلَا بِشَبَهَيْ الْجُزْئِيَّةِ وَعَدَمِهَا؛ لِمَا بَقِيَ مِنْهَا فِي الْحَالِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ إذَا عَلِقَتْ بِرَقِيقٍ، وَتَأَيَّدَ هَذَا بِقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَيُّمَا أَمَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ» وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فَشَرَطَ فِي ثُبُوتِ حَقِّ الْعِتْقِ أَنْ تَلِدَ مِنْ سَيِّدِهَا، وَهَذِهِ وَلَدَتْ مِنْ زَوْجِهَا.
(وَلَنَا أَنَّ سَبَبَ الْأُمُومَةِ) فِي مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ وَهُوَ الْأَصْلُ (هُوَ الْجُزْئِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ) يَعْنِي عِنْدَ قولهِ أَوَّلَ الْبَابِ؛ وَلِأَنَّ الْجُزْئِيَّةَ قَدْ حَصَلَتْ بَيْنَ الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ بِسَبَبِ الْوَلَدِ (وَالْجُزْئِيَّةُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بَيْنَهُمَا بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا كَمُلَا) فَتَثْبُتُ الْجُزْئِيَّةُ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ، فَثُبُوتُ اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْجُزْئِيَّةِ الثَّابِتِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الزَّوْجِ فَتَثْبُتُ الْأُمُومَةُ (بِخِلَافِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا نَسَبَ يَثْبُتُ لِلْوَلَدِ مِنْ الزَّانِي) فَلَا تَصِيرَ الْأَمَةُ الَّتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ مِنْ الزِّنَا إذَا مَلَكَهَا الزَّانِي أُمَّ وَلَدٍ لَهُ اسْتِحْسَانًا، خِلَافًا لَزُفَرَ حَيْثُ قَالَ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَهُوَ الْقِيَاسُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ الْوَلَدُ إذَا مَلَكَهُ أَبُوهُ مِنْ الزِّنَا إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ أَجَابَ بِقولهِ (وَإِنَّمَا يُعْتَقُ عَلَى الزَّانِي إذَا مَلَكَهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْؤُهُ حَقِيقَةً بِغَيْرِ وَاسِطَةِ نَظِيرِهِ) أَيْ نَظِيرِ أُمِّ الْوَلَدِ مِنْ الزِّنَا حَيْثُ لَا تُعْتَقُ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ انْتِسَابِهِ إلَى أَبِيهِ (مَنْ اشْتَرَى أَخَاهُ مِنْ الزِّنَا لَا يُعْتَقُ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ بَلْ (بِوَاسِطَةِ نِسْبَتِهِ إلَى الْوَالِدِ) وَهِيَ غَيْرُ ثَابِتَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ ثَابِتَةً عَتَقَ كَمَا إذَا كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْأُمُومَةَ تَتْبَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ عِنْدَ الْمِلْكِ.
وَالْعِتْقُ الْمُنَجَّزُ يَتْبَعُ حَقِيقَةَ الْجُزْئِيَّةِ عِنْدَ الْمِلْكِ أَوْ ثُبُوتِ الِانْتِسَابِ إلَيْهِ بِوَاسِطَةٍ ثَابِتَةٍ، وَقولهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «أَيُّمَا أَمَةٍ» الْحَدِيثَ، لَيْسَ فِيهِ قَصْرُ الْأُمُومَةِ عَلَى السَّيِّدِ بَلْ إنَّهَا تَثْبُتُ مِنْهُ غَيْرَ مُتَعَرَّضٍ لِنَفْيِهَا عَنْ غَيْرِهِ، فَإِذَا صَحَّ تَعْلِيلُهُ بِثُبُوتِ نَسَبِ مَا تَأْتِي بِهِ مِنْهُ ثَبَتَتْ مِنْ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْهُ، وَقَدْ صَحَّ مِنْ الزَّوْجِ فَتَثْبُتُ بِالْوِلَادَةِ مِنْهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّا نَنْفِي الْمَفْهُومَ الْمُخَالِفَ، وَهُمْ وَإِنْ أَثْبَتُوهُ قَدَّمُوا عَلَيْهِ الْقِيَاسَ، فَإِذَا صَحَّ قِيَاسُ الزَّوْجِ عَلَى السَّيِّدِ فِي ثُبُوتِ الْأُمُومَةِ لَزِمَ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ إلَّا أَنَّهُ يُشْكِلُ عَلَى تَعْلِيلِنَا مَا إذَا ادَّعَى نَسَبَ وَلَدَ أَمَتِهِ الَّتِي زَوَّجَهَا مِنْ عَبْدِهِ، فَإِنَّهُ نَسَبُهُ إنَّمَا يَثْبُتُ مِنْ الْعَبْدِ لَا مِنْ السَّيِّدِ وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْأُمُومَةِ؛ لِإِقْرَارِهِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ الشَّرْعُ فَكَانَ دَائِرًا مَعَ ثُبُوتِ النَّسَبِ شَرْعًا أَوْ اعْتِرَافًا.
وَمِمَّا تَنْتَفِي فِيهِ الْأُمُومَةُ مَا ذُكِرَ فِي الْإِيضَاحِ: أَمَةٌ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَجْنَبِيٌّ لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ صَدَّقَهُ الْمَوْلَى أَوْ كَذَّبَهُ، فَإِنْ مَلَكَهُ الْمُدَّعَى عَتَقَ وَلَا تَصِيرُ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.

متن الهداية:
(وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ عُقْرُهَا وَلَا قِيمَةُ وَلَدِهَا) وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ بِدَلَائِلِهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ قِيمَتَهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهُ انْعَلَقَ حُرَّ الْأَصْلِ لِاسْتِنَادِ الْمِلْكِ إلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِيلَادِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ) سَوَاءً كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا أَوْ لَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْوَطْءِ لَا تَمْنَعُ ثُبُوتَ النَّسَبِ كَوَطْءِ الْحَائِضِ (وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا)؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا قُبَيْلَ الْوَطْءِ بِالْقِيمَةِ؛ لِيَقَعَ الْوَطْءُ فِي مِلْكِهِ (وَلَيْسَ عَلَيْهِ عُقْرُهَا) لِسَبْقِ مِلْكِهِ الْوَطْءَ (وَلَا قِيمَةَ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّهُ انْعَلَقَ حُرًّا؛ لِتَقَدُّمِ الْمِلْكِ عَلَى الْأُمِّ (وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ بِدَلَائِلِهَا) فِي بَابِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ مِنْ (كِتَابِ النِّكَاحِ) وَلِلشَّافِعِيِّ قولانِ: أَحَدُهُمَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهَا وَمَهْرَهَا وَهُوَ بِنَاءً عَلَى إثْبَاتِهِ الْمِلْكَ حُكْمًا لِلْوَطْءِ، إذْ لَوْ أَثْبَتَهُ سَابِقًا عَلَيْهِ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ إيجَابُ الْمَهْرِ.
وَالْقول الْآخَرُ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ وَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهَا وَهُوَ قول أَحْمَدَ وَعَلَى هَذَا تَسْتَمِرُّ عَلَى مِلْكِ الِابْنِ.
وَمَذْهَبُ مَالِكٌ أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالْقِيمَةِ بِمُجَرَّدِ الْوَطْءِ حَمَلَتْ أَوْ لَا، وَإِذَا كَانَ تَمَلُّكُهَا لَازِمًا عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ دَعْوَةُ وَلَدِ مُدَبَّرَةِ ابْنِهِ وَلَا أُمَّ وَلَدِهِ إذْ لَا يَقْبَلَانِ انْتِقَالَ الْمِلْكِ فِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْجَارِيَةِ عُرْفٌ يُخْرِجُهُمَا فَقَدْ أَخْرَجَهُمَا بِاللَّفْظِ، وَإِلَّا فَبِالْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَشَرْطُ صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِيلَادِ أَنْ تَكُونَ الْجَارِيَةُ فِي مِلْكِ الِابْنِ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ إلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْأَبُ صَاحِبَ وِلَايَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى الدَّعْوَةِ أَيْضًا، فَلَوْ بَاعَ الِابْنُ الْجَارِيَةَ ثُمَّ عَادَتْ إلَيْهِ بِشِرَاءٍ أَوْ رَدٍّ وَوَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا فَادَّعَاهُ الْأَبُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَتُهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الِابْنُ كَمَا إذَا ادَّعَى الْأَجْنَبِيُّ ذَلِكَ وَصَدَّقَهُ، وَكَذَا دَعْوَةُ الْجَدِّ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْأَبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْأَبُ كَافِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ أَوْ عَبْدًا فَعَتَقَ أَوْ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالْعِتْقِ وَالْإِفَاقَةِ إلَى الدَّعْوَةِ فَادَّعَاهُ لَا تَصِحُّ؛ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ، أَمَّا الْمَعْتُوهُ لَوْ ادَّعَاهُ بَعْدَ إفَاقَتِهِ وَقَدْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ إفَاقَتِهِ فَفِي الْقِيَاسِ لَا تَصِحُّ؛ لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عِنْدَ الْعُلُوقِ.
وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْعَتَهَ لَا يُبْطِلُ الْحَقَّ وَالْوِلَايَةَ بَلْ يَعْجِزُ عَنْ الْعَمَلِ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ الْمُدَّعِي مُرْتَدًّا فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ صَحَّتْ، وَإِلَّا لَا.
وَعِنْدَهُمَا صَحِيحَةٌ وَهِيَ فَرْعُ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالْقِيمَةِ فَكَانَ كَالْبَيْعِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَقَّفَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِ وَلَدِهِ مَوْقُوفٌ عِنْدَ هُمَا أَيْضًا، لَكِنَّهَا تَضَمَّنَتْ التَّصَرُّفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ لَا يَتَوَقَّفُ لَا سِيَّمَا فِي النَّسَبِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ فَيَنْفُذُ.

متن الهداية:
(وَإِنْ وَطِئَ أَبُو الْأَبِ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ لَمْ يَثْبُتُ النَّسَبُ)؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ حَالَ قِيَامِ الْأَبِ (وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا ثَبَتَ مِنْ الْجَدِّ كَمَا يَثْبُتُ مِنْ الْأَبِ)؛ لِظُهُورِ وِلَايَتِهِ عِنْدَ فَقْدِ الْأَبِ، وَكُفْرُ الْأَبِ وَرِقُهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْوِلَايَةِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ وَطِئَ أَبُو الْأَبِ مَعَ بَقَاءِ الْأَبِ مُسْلِمًا حُرًّا عَاقِلًا لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ مِنْهُ)؛ لِأَنَّ شَرْطَ الصِّحَّةِ قِيَامُ الْوِلَايَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَلَا وِلَايَةَ لِلْجَدِّ مَعَ وُجُودِ الْأَبِ مُتَّصِفًا بِمَا قُلْنَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْأَبُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ مَجْنُونًا فَإِنَّ الْجَدَّ حِينَئِذٍ يَصِحُّ اسْتِيلَادُهُ جَارِيَةَ ابْنِ ابْنِهِ لِقِيَامِ وِلَايَتِهِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، وَلَوْ كَانَ الْأَبُ مُرْتَدًّا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْجَدِّ عِنْدَ هُمَا؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدَّةِ نَافِذَةٌ عِنْدَهُمَا فَمَنَعَتْ تَصَرُّفَ الْجَدِّ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْأَبُ لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْجَدِّ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ أَوْ لُحِقَ وَقَضَى بِلَحَاقِهِ صَحَّتْ، وَلَوْ بَاعَ ابْنُ الِابْنِ الْجَارِيَةَ حَامِلًا ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا فَوَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ بَاعَهَا لَمْ تَصِحَّ دَعْوَةُ الْجَدِّ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْأَبِ.

متن الهداية:
(وَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسُبُّهُ مِنْهُ)؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي نِصْفِهِ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِمَا أَنَّ سَبَبَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَهُوَ الْعُلُوقُ إذْ الْوَلَدُ الْوَاحِدُ لَا يَنْعَلِقُ مِنْ مَاءَيْنِ.
(وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُمَا (وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَصِيرُ نَصِيبُهُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ صَاحِبَهُ إذْ هُوَ قَابِلٌ لِلْمِلْكِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا)؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ لَمَّا اسْتَكْمَلَ الِاسْتِيلَادَ وَيَضْمَنُ نِصْفَ عُقْرِهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً، إذْ الْمِلْكُ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَعَقَّبُهُ الْمِلْكُ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَالِكَ يَثْبُتُ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَقَدَّمُهُ فَصَارَ وَاطِئًا مِلْكَ نَفْسِهِ (وَلَا يَغْرَمُ قِيمَةَ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: وَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَةُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ سَوَاءً كَانَ فِي الْمَرَضِ أَوْ فِي الصِّحَّةِ، وَكَذَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا، وَأَعْتَقَ الْآخَرَ مَعًا فَالدَّعْوَةُ أَوْلَى لِتَضَمُّنِهَا ثُبُوتَ نَسَبِ الْوَلَدِ دُونَ إعْتَاقِ الْآخَرِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ النَّسَبُ فِي نِصْفِهِ الْمَمْلُوكِ لَهُ مِنْ الْجَارِيَةِ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي، وَلَفْظُ: فِي. يُحْمَلُ عَلَى مَعْنَى: مِنْ. الَّتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ: أَيْ ثَبَتَ مِنْ نِصْفِ الْأَمَةِ الْمَمْلُوكِ لَهُ وَلَا يَكُونُ لِلتَّعْلِيلِ كَقولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ» أَيْ لَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ بِسَبَبِ نِصْفِهِ الْمَمْلُوكِ لَهُ؛ لِأَنَّ قولهُ ثَبَتَ فِي الْبَاقِي يَنْبُو عَنْهُ.
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ النَّسَبُ مِنْ نِصْفِ الْأُمِّ فَيَثْبُتُ مِنْ كُلِّهَا؛ لِأَنَّهُ أَيْ النَّسَبُ لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتُهُ مِنْ امْرَأَةٍ، فَثُبُوتُهُ مِنْ بَعْضِهَا هُوَ عَيْنُ ثُبُوتِهِ مِنْ كُلِّهَا.
وَلَا يُقَالُ: سَيَأْتِي أَنَّهُ يَثْبُتُ مِنْ رَجُلَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ.
لِأَنَّا نَقول: لَيْسَ فِي ذَلِكَ تَجْزِئَةٌ مِنْ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ مِنْ كُلِّهَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا لَا مِنْ بَعْضِهَا لِوَاحِدٍ وَمِنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ لِلْآخَرِ، وَإِنَّمَا لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ وَهُوَ الْعُلُوقُ لَا يَتَجَزَّأُ فِي امْرَأَةٍ، بِأَنْ عَلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ عَلَى قولنَا؛ لِأَنَّهَا إذَا عَلِقَتْ مِنْ الْأَوَّلِ انْسَدَّ فَمُ الرَّحِمِ فَلَا تَعْلَقُ مِنْ الْآخَرَ، وَعَلَى قول غَيْرِنَا لَا يَمْتَنِعُ، بَلْ وَاقِعٌ عَلَى قول بَعْضِ مُثْبِتِي الْقِيَافَةَ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
فَعَدَمُ التَّجَزِّي أَنْ لَا يَعْلَقَ الْوَلَدُ بِنِصْفِهَا قولهُ: (وَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) اتِّفَاقًا أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ لَا يَتَجَزَّأُ كَمَا لَا يَتَجَزَّأُ ثُبُوتُ النَّسَبِ فَلَا يَصِيرُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بَلْ تَصِيرُ كُلُّهَا أُمَّ وَلَدٍ، وَعِنْدَهُ يَصِيرُ نِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ ثُمَّ يَتَمَلَّكُ الْآخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلنَّقْلِ، وَلَا يَمْتَنِعُ تَجَزِّي الْأُمُومَةِ كَمَا امْتَنَعَ تَجَزِّي ثُبُوتِ النَّسَبِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهَا أُمَّ وَلَدٍ هُوَ ثُبُوتُ اسْتِحْقَاقِهَا الْعِتْقَ بِالْمَوْتِ، وَالْعِتْقُ يَتَجَزَّأُ عِنْدَهُ بِمَعْنَى زَوَالِ الْمِلْكِ فَجَازَتْ أُمُومَةُ نِصْفِهَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعْتَقُ نِصْفُهَا بِالْمَوْتِ ثُمَّ يَثْبُتُ حُكْمُ عِتْقِ الْبَعْضِ مِنْ الِاسْتِسْعَاءِ فِي الْبَاقِي أَوْ إعْتَاقِهِ إلَى آخِرِ مَا عُرِفَ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ النَّصُّ الْمُفِيدُ لِتَجَزِّي الْعِتْقِ أَوْجَبَ أَنْ لَا يُقَرَّ بَعْضُهُ عَتِيقًا وَبَعْضُهُ رَقِيقًا وَالْأُمُومَةُ شُعْبَةٌ مِنْ الْعِتْقِ وَجَبَ فِيهَا إذَا صَارَ بَعْضُهَا أُمَّ وَلَدٍ بِمَعْنَى اسْتَحَقَّ بَعْضُهَا الْعِتْقَ أَنْ يَسْتَحِقَّهُ كُلُّهَا وَلَا يَبْقَى بَعْضُهَا رَقِيقًا وَبَعْضُهَا مُسْتَحِقًّا لِلْعِتْقِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرَّ تَجَزِّيهَا فِي حَقِّ الْأُمُومَةِ، بَلْ التَّجَزِّي فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ يُتَمِّمَ الْكُلَّ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ.
ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ تَعْلِيلَ تَمَلُّكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ بِأَنَّهُ قَابِلٌ لِلتَّمَلُّكِ تَعْلِيلٌ بِعَدَمِ الْمَانِعِ، وَهُوَ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ.
يُقَالُ سَافَرَ لِلتِّجَارَةِ وَالْعِلْمِ، وَلَوْ قِيلَ لَا مِنْ الطَّرِيقِ عُدَّ جُنُونًا، وَكَوْنُهُ أَفْسَدَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالِاسْتِيلَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَيُّنَ الضَّمَانِ عَلَى مَعْنًى لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ مِنْ الشَّرِيكِ، بَلْ الثَّابِتُ بِهِ جَوَازِ أَنْ يَضْمَنَهُ، وَلِلْإِنْسَانِ تَرْكُ حَقِّهِ، وَهَا هُنَا لَوْ رَضِيَ الشَّرِيكُ بِتَرْكِ تَضْمِينِهِ وَيَصِيرُ نِصْفُهَا مِلْكًا لَهُ وَنِصْفُهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْآخَرِ، فَلَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْلِدُ يُعْتَقُ نِصْفُهَا، وَيُرَقُّ نِصْفُهَا الْآخَرُ أَوْ تَسْعَى لَهُ إذَا ذَاكَ لَا يَجُوزُ، فَلَيْسَ الْمُوجِبُ لِلنَّقْلِ إلَّا مَا قُلْنَا مِنْ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَتَقَ الْبَعْضُ لَا يَبْقَى الْبَعْضُ رَقِيقًا وَأُلْحِقَ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ بِحَقِيقَتِهَا وَتُعْتَبَرُ قِيمَةُ نِصْفِهَا يَوْمَ وَطْئِهَا الَّذِي عَلِقَتْ مِنْهُ، وَكَذَا نِصْفُ الْعُقْرِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَ نِصْفُ عُقْرِهَا عَلَى الْمُسْتَوْلِدِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيَتَعَقَّبُهُ، وَهُوَ، وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا لِلْعُلُوقِ لِاسْتِنَادِهِ إلَيْهِ فَهُوَ مَسْبُوقٌ بِالْوَطْءِ، وَبِابْتِدَائِهِ يَثْبُتُ الْمَهْرُ فَلَا يَسْقُطُ بِالْإِنْزَالِ فَلَزِمَ سَبْقُ وُجُوبِ الْمَهْرِ الِاسْتِيلَادَ بِالضَّرُورَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَيَسْقُطُ مَا أَصَابَ حِصَّتَهُ وَيَضْمَنُ حِصَّةَ شَرِيكِهِ، وَمَا قِيلَ الْأَصَحُّ أَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ يُقَارِنُهَا فِي الْخَارِجِ لَمْ يَخْتَرْهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ مَلَأَ الْكِتَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَوَّلُهُ مِنْ بَابِ مَنْ يَجُوزُ دَفْعُ الصَّدَقَةِ إلَيْهِ فِي خِلَافِيَّةِ زُفَرَ فِيمَا إذَا دَفَعَ النِّصَابَ إلَى الْفَقِيرِ مَنَعَهُ زُفَرُ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ قَارَنَ الْغِنَى، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ حُكْمُ الدَّفْعِ فَيَتَعَقَّبُهُ فَحَصَلَ الدَّفْعُ إلَى الْفَقِيرِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُهُ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِثْلُهُ، ثُمَّ ضَمَانُ قِيمَةِ نِصْفِ الشَّرِيكِ لَازِمٌ فِي يَسَارِهِ، وَإِعْسَارِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ كَالْبَيْعِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: إنْ كَانَ الْمُدَّعِي مُعْسِرًا سَعَتْ أُمُّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الِاسْتِيلَادِ حَصَلَتْ لَهَا، وَإِنَّمَا لَا يَضْمَنُ الْأَبُ إذَا اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ الْعُقْرَ؛ لِأَنَّ مِلْكَهَا يَثْبُتُ شَرْطًا لِلِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ فَيَتَقَدَّمُ لِيَقَعَ الْوَطْءُ فِي مِلْكِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: الْمِلْكُ يُثْبِتُ ضَرُورَةَ الِاسْتِيلَادِ، وَهُوَ بِالْعُلُوقِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْعُلُوقِ تَقَدُّمُهُ عَلَى الْوَطْءِ.
أُجِيبُ بِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ عِبَارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الْفِعْلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْوَلَدُ فَلَمْ يُعْتَبَرْ الْفِعْلُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَطْلُوبِ، فَالتَّقَدُّمُ عَلَى الْعُلُوقِ تَقَدُّمٌ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي بِهِ الِاسْتِيلَادُ، وَمِنْهُ الْوَطْءُ فَاعْتُبِرَ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ.
وَلَا يَغْرَمُ قِيمَةَ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ وَمِلْكُهُ يَثْبُتُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْضًا فَلَمْ يَنْعَلِقْ شَيْءٌ مِنْهُ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ بَلْ عَلِقَ حُرًّا فَلَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ فِي نِصْفِ شَرِيكِهِ يَثْبُتُ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ فَيُعْتِقُهُ أَنَّ الْعُلُوقَ قَبْلَ مِلْكِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ فَيَحْصُلُ مَمْلُوكُ النِّصْفِ لَهُ وَنِصْفُهُ لِشَرِيكِهِ.
وَاسْتِنَادُ النَّسَبِ إلَى الْعُلُوقِ بَعْدَمَا وَقَعَ فِي مِلْكِ الشَّرِيكِ لَا يُوجِبُ أَنْ لَا يَعْلَقَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى مِلْكِهِ.
لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ كَوْنُهُ أَرَادَ بِالِاسْتِيلَادِ فِي قولهِ حُكْمًا لِلِاسْتِيلَادِ الْوَطْءَ.
لِأَنَّا نَقول: الِاسْتِيلَادُ إمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعُلُوقِ، أَوْ عَلَى مَجْمُوعِ الْوَطْءِ مَعَ الْإِنْزَالِ وَالْعُلُوقِ، أَمَّا مُجَرَّدُ الْوَطْءِ بِلَا إنْزَالٍ فَلَا.
وَلَوْ سَلِمَ لَمْ يَصِحَّ ثُبُوتُ الْمِلْكِ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ نَقْلَهُ مِنْ مِلْكِ الشَّرِيكِ إلَى مِلْكِ الْمُسْتَوْلِدِ ضَرُورَةُ صَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا تَصِيرُ إلَّا بِالْعُلُوقِ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهُ بِلَا مُوجِبٍ.
وَالِاعْتِرَاضُ السَّابِقُ بِأَنَّ حُكْمَ الْعِلَّةِ مَعَهَا فِي الْأَصَحِّ لَا يُفِيدُ؛ لِأَنَّ نَقْلَهُ مَعَ الْعُلُوقِ أَيْضًا بِلَا مُوجِبٍ؛ لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَمْ يَلْزَمْ النَّقْلُ.
فَالْوَجْهُ جَعَلَهُ مُعَقِّبًا لِلْعُلُوقِ بِلَا فَصْلٍ قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ وَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَاءٌ مَهِينٌ لَا قِيمَةَ لَهُ فَلَا يُضْمَنُ، وَحِينَ صَارَ بِحَيْثُ يُضْمَنُ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِ الشَّرِيكِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ حِينَ انْتَقَلَتْ إلَى مِلْكِ الْمُسْتَوْلَدِ انْتَقَلَتْ بِأَجْزَائِهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا ذَلِكَ الْمَاءُ، هَذَا إذَا حَمَلَتْ عَلَى مِلْكِهِمَا، فَإِنْ اشْتَرَيَاهَا حَامِلًا فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُ الِاسْتِيلَادِ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي مِلْكِهَا، وَلِذَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عُقْرٌ لِشَرِيكِهِ هُنَا، لَكِنْ لَمَّا ادَّعَى نَسَبَ وَلَدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا كَانَتْ دَعْوَتُهُ مِلْكٌ وَهِيَ كَالْإِعْتَاقِ الْمُوقِعِ إلَّا أَنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ كَالْبَيْعِ، وَلَا عُقْرَ لِشَرِيكِهِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يُوجَدْ فِي مِلْكِ شَرِيكِهِ.

متن الهداية:
(وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا) مَعْنَاهُ إذَا حَمَلَتْ عَلَى مِلْكِهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُرْجَعُ إلَى قول الْقَافَةِ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ النَّسَبِ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعَ عِلْمِنَا أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْ مَاءَيْنِ مُتَعَذِّرٌ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهِ، وَقَدْ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقول الْقَائِفِ فِي أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ.
وَلَنَا كِتَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إلَى شُرَيْحٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: لَبَّسَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ بَيَّنَا لَبُيِّنَ لَهُمَا، هُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَكَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَالنَّسَبُ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَكِنْ تَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مُتَجَزِّئَةٌ، فَمَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّجْزِئَةِ، وَمَا لَا يَقْبَلُهَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَمُلَا كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَبًا لِلْآخِرِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا وَالْآخَرُ ذِمِّيًّا لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَفِي حَقِّ الْأَبِ وَهُوَ مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ فِي نَصِيبِ الِابْنِ، وَسُرُورُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رُوِيَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَكَانَ قول الْقَائِفِ مُقْطِعًا لِطَعْنِهِمْ فَسُرَّ بِهِ (وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا)؛ لِصِحَّةِ دَعْوَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِهِ فِي الْوَلَدِ فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تَبَعًا لِوَالِدِهَا (وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعُقْرِ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ، وَيَرِثُ الِابْنُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ)؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمِيرَاثِهِ كُلِّهِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ (وَيَرِثَانِ مِنْهُ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي النَّسَبِ كَمَا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا) وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا فَتَخْدُمُ كُلًّا مِنْهُمَا يَوْمًا، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا عَتَقَتْ وَلَا ضَمَانَ لِلْحَيِّ فِي تَرْكِهِ الْمَيِّتِ لِرِضَا كُلٍّ مِنْهُمَا بِعِتْقِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَلَا تَسْعَى لِلْحَيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ تَقَوُّمِهَا.
وَعَلَى قولهِمَا تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لَهُ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا عَتَقَتْ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِلسَّاكِتِ، وَلَا سِعَايَةَ فِي قول أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَلَى قولهِمَا يَضْمَنُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَتَسْعَى إنْ كَانَ مُعْسِرًا، وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْعُقْرِ فَيَلْتَقِيَانِ قِصَاصًا بِمَا لَهُ عَلَى الْآخَرِ.
وَفَائِدَةُ إيجَابِ الْعُقْرِ مَعَ التَّقَاصِّ بِهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ أَبْرَأ أَحَدَهُمَا عَنْ حَقِّهِ بَقِيَ حَقُّ الْآخَرِ.
وَأَيْضًا لَوْ قُوِّمَ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا بِالدَّرَاهِمِ وَالْآخَرِ بِالذَّهَبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ الدَّرَاهِمَ وَيَأْخُذَ الذَّهَبَ وَيَرِثُ الِابْنُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ وَيَرِثَانِ مِنْهُ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ.
فَهَذِهِ أَحْكَامُ دَعْوَتِهِمَا ذَكَرَهَا الْقُدُورِيُّ.
وَمِنْهَا أَنَّهُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا حَتَّى إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا كَانَ كُلُّ مِيرَاثِ الِابْنِ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا، وَفَرَّقَ الْمُصَنِّفُ بَيْنَهَا بِوَجْهِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَقَالَ: وَإِنْ ادَّعَيَاهُ مَعًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، وَسَيُقَيِّدُهُ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدِهِمَا مُرَجِّحٌ، فَلَوْ كَانَ بِأَنْ كَانَ الشَّرِيكَانِ أَبًا وَابْنًا فَإِنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْ الْأَبِ وَحْدَهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا ذِمِّيًّا يَثْبُتُ مِنْ الْمُسْلِمِ وَحْدَهُ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ فَيَثْبُتُ مِنْهُمَا وَيَكُونُ مُسْلِمًا، وَقَيَّدَهُ هَاهُنَا بِمَا إذَا حَمَلَتْ عَلَى مِلْكِهِمَا، وَهُوَ أَنْ تَلِدَهُ لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ: يَعْنِي فَصَاعِدًا وَلَوْ سَنَتَيْنِ مُنْذُ مَلَكَاهَا، وَاحْتُرِزَ بِهِ عَمَّا إذَا كَانَ الْحَمْلُ عَلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا نِكَاحًا ثُمَّ اشْتَرَاهَا هُوَ وَآخَرُ فَوَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الشِّرَاءِ فَادَّعَيَاهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِ الزَّوْجِ فَإِنَّ نَصِيبَهُ صَارَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يَحْتَمِلُ التَّجَزِّي عِنْدَهُمَا وَلِإِبْقَاءِهِ عِنْدَهُ فَيَثْبُتُ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ أَيْضًا.
وَأَيْضًا مَا إذَا حَمَلَتْ عَلَى مِلْكِ أَحَدِهِمَا رَقَبَةً فَبَاعَ نِصْفَهَا مِنْ آخَرَ فَوَلَدَتْ: يَعْنِي لِتَمَامِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ بَيْعِ النِّصْفِ فَادَّعَيَاهُ يَكُونُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِكَوْنِ الْعُلُوقِ فِي مِلْكِهِ، وَعَمَّا إذَا كَانَ الْحَمْلُ قَبْلَ مِلْكِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِأَنْ اشْتَرَيَا أَمَةً فَوَلَدَتْ لِأَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ مَلَكَاهَا أَوْ وَلَدَتْهُ قَبْلَ مِلْكِهِمَا إيَّاهَا فَاشْتَرَيَاهَا فَادَّعَيَاهُ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَعْوَةُ عِتْقٍ لَا دَعْوَةُ اسْتِيلَادٍ فَيُعْتَقُ الْوَلَدُ مُقْتَصَرًا عَلَى وَقْتِ الدَّعْوَةِ، بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ فَإِنَّ شَرْطَهَا كَوْنُ الْعُلُوقِ فِي الْمِلْكِ، وَتَسْتَنِدُ الْحُرِّيَّةُ إلَى وَقْتِ الْعُلُوقِ فَيَعْلَقُ حُرًّا وَقَدَّمْنَا فِي كِتَابِ الْعِتْقِ اخْتِلَافَ الْمَشَايِخِ فِيمَا إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ هَذَا ابْنِي وَأُمُّهُ فِي مِلْكِهِ هَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَوْ لَا؟ قِيلَ نَعَمْ مَجْهُولَ النَّسَبِ أَوْ مَعْلُومَهُ، وَقِيلَ لَا فِيهِمَا، وَقِيلَ نَعَمْ فِي مَجْهُولِهِ لَا فِي مَعْلُومِهِ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حُكْمُنَا عِنْدَ جَهْلِنَا بِحَالِ الْعُلُوقِ، وَبِقولنَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقولهُ فِي الْقَدِيمِ، وَرَجَّحَ عَلَيْهِ أَحْمَدُ حَدِيثَ الْقَافَةِ.
وَقِيلَ يَعْمَلُ بِهِ إذَا فُقِدَتْ الْقَافَةُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُرْجَعُ إلَى قول الْقَائِفِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قَائِفٌ وَقَفَ حَتَّى يَبْلُغَ الْوَلَدُ فَيَنْتَسِبُ إلَى أَيِّهِمَا شَاءَ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَسِبْ إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ نَسَبُهُ مَوْقُوفًا لَا يَثْبُتُ لَهُ نَسَبٌ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ.
وَالْقَائِفُ هُوَ الَّذِي يَتْبَعُ آثَارَ الْآبَاءِ فِي الْأَبْنَاءِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْآثَارِ مِنْ قَافَ أَثَرَهُ يَقُوفُهُ مَقْلُوبُ قَفَا أَثَرَهُ مِثْلَ رَاءٍ مَقْلُوبُ رَأَى، وَالْقِيَافَةُ مَشْهُورَةٌ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُدْلِجِيًّا فَغَيْرُهُ وَهُوَ قول أَحْمَدَ، وَقَالَ بِهِ مَالِكٌ فِي الْإِمَاءِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ إثْبَاتَ النَّسَبِ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعَ عِلْمِنَا بِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَتَخَلَّقُ مِنْ مَاءَيْنِ؛ لِأَنَّهَا كَمَا تَعَلَّقَ مِنْ رَجُلٍ انْسَدَّ فَمُ الرَّحِمِ مُتَعَذَّرٌ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهِ، وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَافَةَ لَوْ أَلْحَقُوهُ بِهِمَا لَا يُلْحَقُ، وَهُوَ قول الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يَبْطُلُ قولهُمْ إذَا أَلْحَقُوا بِهِمَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْعَمَلُ بِالشَّبَهِ بِقول الْقَائِفِ حَيْثُ سُرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَخْرَجَ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ كُلِّهِمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالت: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْمٍ مَسْرُورًا فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَزَيْدٌ وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ وَقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: هَذِهِ الْأَقْدَامُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وَقَالَ أَبُو دَاوُد: وَكَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ.
(وَلَنَا كِتَابُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى شُرَيْحٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ) ذَكَرَ أَنَّ شُرَيْحًا كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَارِيَةٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنَّهُمَا لَبَّسَا فَلُبِّسَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ بَيَّنَا لَبُيِّنَ لَهُمَا، وَهُوَ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا.
وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
قَالَ: (وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ) يَعْنِي الدَّعْوَةِ مَعَ الْمِلْكِ فَيَسْتَوِيَانِ فِيهِ، وَالنَّسَبُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ مُتَجَزِّئَةٌ كَالْإِرْثِ وَالنَّفَقَةِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَوِلَايَةِ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ وَالْحَضَانَةِ فَمَا يَقْبَلُ التَّجَزِّي كَالْإِرْثِ، وَمَا ذَكَرنَا يَثْبُتُ فِي حَقِّهِمَا عَلَى التَّجْزِئَةِ، وَمَا لَا يَقْبَلُهَا كَالنَّسَبِ وَوِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ يَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمُلَا كَأَنْ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي قِصَّةِ عُمَرَ هُوَ مَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ؛ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي امْرَأَةٍ وَطِئَهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْقَائِفُ: قَدْ اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعًا فَجَعَلَهُ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَعَلِيٌّ يَقول هُوَ ابْنُهُمَا وَهُمَا أَبَوَاهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ، وَذَكَرَهُ سَعِيدٌ أَيْضًا، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فِي رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا فِي طُهْرِ امْرَأَةٍ فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبِهُهُمَا، فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ فَدَعَا الْقَافَةَ فَنَظَرُوا فَقَالُوا نَرَاهُ يُشْبِهُهُمَا، فَأَلْحَقَهُ بِهِمَا وَجَعَلَهُ يَرِثُهُمَا وَيَرِثَانِهِ.
وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا وَلَدًا فَدَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ وَاقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِبَصَرِ الْقَافَةِ وَأَلْحَقَهُ أَحَدَ الرَّجُلَيْنِ.
ثُمَّ ذَكَر أَيْضًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمَا دَعَا عُمَرُ الْقَافَةَ فَرَأَوْا شَبَهَهُ فِيهِمَا وَرَأَى عُمَرُ مِثْلَ مَا رَأَتْ الْقَافَةُ قَالَ: قَدْ كُنْت أَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْبَةَ تَلِدُ لِأَكْلَبَ فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ لِأَبِيهِ مَا كُنْت أَرَى أَنَّ مَاءَيْنِ يَجْتَمِعَانِ فِي وَلَدٍ وَاحِدٍ.
وَأَسْنَدَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: رَأَى الْقَافَةِ وَعُمَرُ جَمِيعًا شَبَهُهُ فِيهِمَا وَشَبَهُهُمَا فِيهِ، وَقَالَ: هُوَ بَيْنَكُمَا يَرِثُكُمَا وَتَرِثَانِهِ، قَالَ: فَذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ:
نَعَمْ هُوَ لِلْآخِرِ مِنْهُمَا، وَقول الْمُصَنِّفِ وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ يُشِيرُ إلَى مَا أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ مَوْلًى لِآلِ مَخْزُومٍ قَالَ: وَقَعَ رَجُلَانِ عَلَى جَارِيَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَعَلَقَتْ الْجَارِيَةُ فَلَمْ يُدْرَ مِنْ أَيِّهِمَا هُوَ، فَأَتَيَا عَلِيًّا فَقَالَ هُوَ بَيْنَكُمَا يَرِثُكُمَا وَتَرِثَانِهِ وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا.
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ قَابُوسَ عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلَانِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ، فَقَالَ الْوَلَدُ بَيْنَكُمَا وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْكُمَا.
وَضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ فَقَالَ: يَرْوِيه سِمَاكٌ عَنْ رَجُلٍ مَجْهُولٍ لَمْ يُسَمِّهِ، وَقَابُوسُ وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَقَدْ رَوَى عَلِيٌّ مَرْفُوعًا خِلَافَ ذَلِكَ.
ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد: حَدَّثَنَا حُبَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرَقْمَ قَالَ: «أُتِيَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِثَلَاثَةٍ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ قَالَا لَا، حَتَّى سَأَلَهُمْ جَمِيعًا فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ اثْنَيْنِ قَالَا لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِاَلَّذِي صَارَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ قَالَ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ» انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ أَيْضًا مَوْقُوفًا، وَكَذَا النَّسَائِيّ عَلَى عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ أَجْوَدَ مِنْ إسْنَادِ الْمَرْفُوعِ، وَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ: فَأَغْرَمَهُ ثُلُثَيْ قِيمَةِ الْجَارِيَةِ لِصَاحِبَيْهِ، وَهُوَ حَسَنٌ مُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِالدِّيَةِ فِيمَا قَبْلَهُ.
وَحَاصِلُ مَا تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرَّ بِقول الْقَافَةِ، وَأَنَّ عُمَرَ قَضَى عَلَى وَفْقِ قولهِمْ، وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنْكِرْ إثْبَاتَ عَلِيٍّ النَّسَبَ بِالْقُرْعَةِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ مَا يُنْسَبُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ هُوَ سُرُورُهُ بِقول الْقَافَةِ.
فَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ بِأَنَّ سُرُورَهُ كَانَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ فَكَانُوا لِذَلِكَ يَطْعَنُونَ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ مِنْهُ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَعْتَقِدُونَ قول الْقَافَةِ فَكَانَ قول الْقَائِفِ مَقْطَعًا لَطَعَنَهُمْ، فَسُرُورُهُ لَا شَكَّ أَنَّهُ لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ قَطْعِ طَعْنِهِمْ وَاسْتِرَاحَةِ مُسْلِمٍ مِنْ التَّأَذِّي بِنَفْيِ نَسَبِهِ وَظُهُورِ خَطَئِهِمْ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ كَوْنُ الْقِيَافَةِ حَقًّا فِي نَفْسِهَا فَتَكُونُ مُتَعَلَّقَ سُرُورِهِ أَيْضًا، أَوْ لَيْسَتْ حَقًّا فَيَخْتَصُّ سُرُورُهُ بِمَا قُلْنَا فَلَزِمَ أَنَّ حُكْمَنَا بِكَوْنِ سُرُورِهِ بِهَا نَفْسِهَا فَرْعُ حُكْمِنَا بِأَنَّهَا حَقٌّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّيَّتِهَا وَلَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ.
وَطَعَنَ يَطْعَنُ بِضَمِّ عَيْنِ الْمُضَارِعِ بِالرُّمْحِ وَفِي النَّسَبِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اُسْتُدِلَّ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَافَةِ بِحَدِيثِ اللِّعَان حَيْثُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيه: «إنْ جَاءَتْ بِهِ أُصَيْهِبَ أُثَيْبِجَ حَمْشَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِزَوْجِهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَوْرَقَ جَعْدًا جُمَالِيًّا خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ فَهُوَ لِلَّذِي رُمِيَتْ بِهِ» وَهَذِهِ هِيَ الْقِيَافَةُ، وَالْحُكْمُ بِالشَّبَهِ.
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ لَا الْقِيَافَةِ.
وَقَدْ يُقَالُ الظَّاهِرُ عِنْدَ إرَادَةِ تَعْرِيفِهِ أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْقِيَافَةُ مُعْتَبَرَةً لَكَانَ شَرْعِيَّةَ اللِّعَانِ تَخْتَصُّ بِمَا إذَا لَمْ يُشْبِهَ الْمَرْمِيَّ بِهِ أَشْبَهَ الزَّوْجَ أَوْ لَا لِحُصُولِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ حِينَئِذٍ بِأَنَّهُ لَيْسَ ابْنًا لِلنَّافِي، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِكَذِبِهَا فِي نَسَبِ الْوَلَدِ.
وَأُجِيبُ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ حَقِّيَّةَ قِيَافَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِّيَّةَ قِيَافَةِ غَيْرِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْقِيَافَةَ لَيْسَ إلَّا بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ يَسْتَوِي النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهَا، ثُمَّ إنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُرَّ بِفِعْلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ إلْحَاقُهُ بِالْقُرْعَةِ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَطُرُقُهُ صَحِيحَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ أَنَّ الْقُرْعَةَ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ لِتَقْرِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ، بَلْ سُرَّ بِهِ، فَإِنَّ الضَّحِكَ دَلِيلُهُ مَعَ عَدَمِ الْإِنْكَارِ، وَإِذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ يَلْزَمُهُ الْحُكْمُ بِنَسْخِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى مَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ مِنْ الْعَمَلِ بِقول الْقَافَةِ، فَإِنَّهُ مِنْ الْقُوَّةِ بِكَثْرَةِ الطُّرُقِ بِحَيْثُ لَا يُعَارِضُهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ مِنْ قِصَّةِ شُرَيْحٍ؛ لِخَفَائِهَا وَعَدَمِ تَثْبِيتِهَا.
وَإِنْ كَانَتْ قِصَّةً مُرْسَلَةً، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عُمَرَ مُرْسَلٌ، وَكَذَا عُرْوَةُ عَنْهُ، لَكِنَّهُمَا إمَامَانِ لَا يَرْوِيَانِ إلَّا عَنْ قُوَّةِ أَمِينٍ مَعَ حُجِّيَّةِ الْمُرْسَلِ عِنْدَنَا فَكَيْفَ بِهِ مِنْ هَذَيْنِ؟ عَلَى أَنَّ قول سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ نَعَمْ فِي إسْنَادِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رُبَّمَا يَكُونُ كَالْمَوْصُولِ بِعُمَرَ؛ لِأَنَّ سَعِيدًا رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ مِثْلِ هَذَا، وَإِذَا ثَبَتَ عَمَلُ عُمَرَ بِالْقِيَافَةِ لَزِمَ أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ فِي سُرُورِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ كَوْنُ الْحَقِّيَّةِ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ ثَابِتٌ، وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا لَمْ يَقُلْ بِنِسْبَةِ الْوَلَدِ إلَى اثْنَيْنِ يَلْزَمُهُ اعْتِقَادُ أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ كَانَ عَنْ رَأْيِهِ لَا بِقول الْقَافَةِ فَيَلْزَمُهُ الْقول بِثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ اثْنَيْنِ إذْ حَلَّ مَحِلَّ الْإِجْمَاعِ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ مَلْزُومٌ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنَّ سُرُورَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا إلَّا بِرَدِّ طَعْنِهِمْ أَوْ ثُبُوتِ نَسْخِهِ وَبِهِ نَقول، إلَّا أَنَّا لَا نَقول إنَّهُ مِنْ مَائِهِمَا كَمَا يُفْهَمُ مِنْ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّ الْمَاءَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الرَّحِمِ إلَّا مُتَعَاقِبَيْنِ.
فَإِذَا فُرِضَ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ الْأَوَّلِ لَمْ يُتَصَوَّرْ خَلْقُهُ مِنْ الثَّانِي، بَلْ إنَّهُ يَزِيدُ فِي الْأَوَّلِ فِي سَمْعِهِ قُوَّةً وَفِي بَصَرِهِ وَأَعْضَائِهِ.
وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِأَنَّهُ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ فَقَاصِرٌ عَلَى قولنَا إنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، فَأَمَّا مَنْ يَقول تَحِيضُ لَا يُمْكِنُهُ الْقول بِالِانْسِدَادِ فَيَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ اثْنَيْنِ مَعَ الْحُكْمِ بِأَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مِنْ مَاءِ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ كَمَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ اثْنَيْنِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسَةٍ وَأَكْثَرَ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا يَثْبُتُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَنْفِي ثُبُوتَهُ مِنْ اثْنَيْنِ، لَكِنَّهُ تَرْكٌ لِأَثَرِ عُمَرَ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَثْبُتُ لِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِقُرْبِ الثَّلَاثَةِ مِنْ الِاثْنَيْنِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ النَّسَبِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ الِاشْتِبَاهُ وَالدَّعْوَةُ فَلَا فَرْقَ.
فَلَوْ تَنَازَعَ فِيهِ امْرَأَتَانِ قُضِيَ بِهِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا لَا يُقْضَى لِلْمَرْأَتَيْنِ فَلَا يَلْحَقُ إلَّا بِأُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَنْصِبَاءِ مُتَفَاوِتَةً أَوْ مُتَسَاوِيَةً فِي الْجَارِيَةِ فِي دَعْوَى الْوَلَدِ، وَلَوْ تَنَازَعَ فِيهِ رَجُلَانِ وَامْرَأَتَانِ كُلٌّ يَزْعُمُ أَنَّهُ ابْنُهُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تُصَدِّقُهُ؛ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْضَى بِهِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى بِهِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَقَطْ، فَلَوْ تَنَازَعَ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يُقْضَى بِهِ بَيْنَهُمْ، وَعِنْدَهُمَا يُقْضَى بِهِ لِلرَّجُلِ لَا لِلْمَرْأَتَيْنِ.
قولهُ: (إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ أَبًا لِلْآخَرِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قولهِ وَمَا لَا يَقْبَلُهَا وَعَلِمْت أَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمُلَا.
وَفِي الْمَبْسُوطِ: أَمَةٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ وَمُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَعَبْدٍ وَلَدَتْ فَادَّعَوْهُ فَالْحُرُّ الْمُسْلِمُ أَوْلَى لِاجْتِمَاعِ الْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِيهِ مَعَ الْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ بَلْ مِنْ بَعْدِهِ فَقَطْ فَالذِّمِّيُّ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ وَالْمُكَاتَبُ وَالْعَبْدُ، وَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ لَكِنْ بِيَدِ الْوَلَدِ تَحْصِيلُ الْإِسْلَامِ دُونَ الْحُرِّيَّةِ ثُمَّ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّ لَهُ حَقَّ مِلْكٍ وَالْوَلَدُ عَلَى شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ بِأَدَاءِ الْمُكَاتَبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَاتَبٌ وَادَّعَى الْمُدَبَّرُ وَالْعَبْدُ لَا يَثْبُتُ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النَّسَبُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ لَهُمْ مِلْكٌ وَلَا شُبْهَةُ مِلْكٍ، قِيلَ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْجَوَابُ فِي الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ وُهِبَتْ لَهُ أَمَةٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ أَنْ يُزَوَّجَ مِنْهَا أَيْضًا وَلَوْ كَانَتْ الدَّعْوَةُ بَيْنَ ذِمِّيٍّ وَمُرْتَدٍّ فَالْوَلَدُ لِلْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِسْلَامِ وَغَرِمَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ نِصْفَ الْعُقْرِ.
قولهُ: (وَكَانَتْ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا لِصِحَّةِ دَعْوَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي نَصِيبِ الْوَلَدِ فَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مِنْهَا أُمَّ وَلَدٍ لَهُ تَبَعًا لِوَلَدِهَا) وَلَا يَضْمَنُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِشَرِيكِهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ نَصِيبِ شَرِيكِهِ شَيْءٌ.
قولهُ: (وَيَرِثُ الِابْنُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِيرَاثَ ابْنٍ كَامِلٍ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ بِمِيرَاثِهِ كُلِّهِ) حَيْثُ ادَّعَى أَنَّهُ ابْنَهُ وَحْدَهُ، وَإِقْرَارُهُ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ (وَيَرِثَانِ مِنْهُ مِيرَاثَ أَبٍ وَاحِدٍ)؛ لِأَنَّ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا الِانْفِرَادُ بِالْأُبُوَّةِ لَا تَسْرِي فِي حَقِّ الْآخَرَ، وَقَدْ اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَهُوَ الدَّعْوَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْمِلْكِ وَصَارَ كَمَا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى شَيْءٍ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَكَذَا إذَا أَقَامَا الْبَيِّنَةَ عَلَى ابْنٍ مَجْهُولِ النَّسَبِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاتِّحَادِ الْجَامِعِ.

متن الهداية:
(وَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُكَاتَبُ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ اعْتِبَارًا بِالْأَبِ يَدَّعِي وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ.
وَوَجْهُ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْفَرْقُ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي أَكْسَابِ مُكَاتَبِهِ حَتَّى لَا يَتَمَلَّكَهُ وَالْأَبُ يَمْلِكُ تَمَلُّكَهُ فَلَا مُعْتَبَرَ بِتَصْدِيقِ الِابْنِ.
قَالَ: (وَعَلَيْهِ عُقْرُهَا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ كَافٍ لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ لِمَا نَذْكُرُهُ.
قَالَ: (وَقِيمَةُ وَلَدِهَا)؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَغْرُورِ حَيْثُ إنَّهُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ كَسْبُ كَسْبِهِ فَلَمْ يَرْضَ بِرِقِّهِ فَيَكُونُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ (وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ)؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا حَقِيقَةً كَمَا فِي وَلَدِ الْمَغْرُورِ (وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمَكَاتِبُ فِي النَّسَبِ لَمْ يَثْبُتْ)؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِ (فَلَوْ مَلَكَهُ يَوْمًا ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ)؛ لِقِيَامِ الْمُوجِبِ وَزَوَالِ حَقِّ الْمُكَاتَبِ إذْ هُوَ الْمَانِعُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الشَّرْحُ:
قولهُ: (وَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى جَارِيَةَ مُكَاتَبِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَاهُ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُكَاتَبُ يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ)، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ، لَكِنْ إذَا مَلَكَهُ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَحِينَئِذٍ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ لِمَا سَيُذْكَرُ.
(وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُهُ بَلْ يَثْبُتُ) نَسَبُهُ مِنْهُ بِمُجَرَّدِ دَعَوْتِهِ غَيْرَ مُفْتَقِرٍ إلَى تَصْدِيقِهِ، وَقولهُ وَهَذَا قول سَائِرِ الْعُلَمَاءِ اعْتِبَارًا بِالْأَبِ يَدَّعِي وَلَدَ جَارِيَةِ ابْنِهِ بِجَامِعِ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ كَسْبُ كَسْبِ الْمُدَّعِي، أَوْ بِطَرِيقٍ أَوْلَى؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى فِي الْمُكَاتَبِ مِلْكُ رَقَبَتِهِ وَهُوَ مُقْتَضٍ لِحَقِيقَةِ مِلْكِ كَسْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مِلْكٌ كَانَ لَهُ فِيهِ حَقُّ الْمَلِكِ، وَلَيْسَ لِلْوَالِدِ مِلْكٌ حَقِيقَةً فِي رَقَبَةِ وَلَدِهِ بَلْ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ بِمَالِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَحَقُّ الْمِلْكِ أَقْوَى مِنْ حَقِّ التَّمَلُّكِ، فَلَمَّا ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِ جَارِيَةِ الِابْنِ مِنْ الْأَبِ بِمُجَرَّدِ دَعَوْتِهِ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى تَصْدِيقِهِ فَالثُّبُوتُ مِنْ الْمَوْلَى أَوْلَى.
(وَوَجْهُ الظَّاهِرِ: وَهُوَ الْفَرْقُ) بَيْنَ جَارِيَةِ الِابْنِ وَجَارِيَةِ الْمُكَاتَبِ (أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي أَكْسَابِ مُكَاتَبِهِ) بِسَبَبِ حَجَرِهِ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ حَتَّى لَا يَثْبُتَ لَهُ حَقُّ تَمَلُّكِهِ (وَالْأَبُ يَمْلِكُ تَمَلُّكَهُ) لِحَاجَتِهِ عَلَى مَا عُرِفَ (فَلَا مُعْتَبَرَ بِتَصْدِيقِهِ) وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَارِثِ يَسْتَوْلِدُ أَمَةً مِنْ تَرِكَةٍ مُسْتَغْرَقَةٍ بِالدَّيْنِ يَصِحُّ بِلَا تَصْدِيقِ أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ حَقٍّ حَتَّى مَلَكَ اسْتِخْلَاصَ مَا يَشَاءُ مِنْ التَّرِكَةِ بِإِعْطَاءِ قِيمَتِهِ فَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقُّ مِنْهُ لِيَحْتَاجَ إلَى تَصْدِيقِهِ.
بِخِلَافِ الْبَائِعِ يَدَّعِي وَلَدَ الْمَبِيعَةِ بَعْد الْبَيْعِ يَصِحُّ لِاتِّصَالِ الْعُلُوقِ بِمِلْكِهِ وَوَجَبَ لِلْوَلَدِ حَقُّ الْعِتْقِ فَلَمْ يَبْطُلْ بِاعْتِرَاضِ الْبَيْعِ.
وَهَاهُنَا إنْ حَصَلَ الْعُلُوقُ فِي مِلْكِ الْمَوْلَى لِرَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ لَكِنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي مِلْكِهِ لِلْجَارِيَةِ مِلْكًا خَالِصًا.
وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لُوحِظَ حَجْرَ الْمَوْلَى عَنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ فَتَصْدِيقُهُ لَا يُوجِبُ فَكَّ الْحَجْرِ، بَلْ غَايَتُهُ أَنَّهُ اعْتَرَفَ لَهُ أَنَّهُ وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَيُقْضَى أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّسَبُ إذْ لَمْ يَرْتَفِعْ بِهِ الْمَانِعُ مِنْ ثُبُوتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ وَطِئَهَا لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ إذَا كَانَ مُكَذِّبًا لَهُ مَعَ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَقْوَى مِنْ التَّصْدِيقِ فَظَهَرَ ضَعْفُ اشْتِرَاطِ التَّصْدِيقِ.
وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ هَذَا الْحِجْرَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ لِكَوْنِهِ هُوَ أَحَقُّ بِالدَّعْوَى فَلَا يَظْهَرُ حَقُّهُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ فِي مُقَابَلَةِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ؛ لِجَوَازِ أَنْ يُكَذِّبَهُ بِأَنْ يَدَّعِيَهُ هُوَ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِعْلَامِ تَصْدِيقِهِ وَتَكْذِيبِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْوَطْءِ فَإِنَّ تَكْذِيبَهُ قَائِمٌ، وَاخْتِبَارُ التَّصْدِيقِ لَيْسَ لِاسْتِعْلَامِ الْوَطْءِ قَطْعًا بَلْ تَقْدِيمًا لِلْأَحَقِّ عَلَى غَيْرِهِ، بِخِلَافِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ إذَا اسْتَلْحَقَ فَإِنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تَصْدِيقِ الْآخِرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ مِنْ الْآخَرِ.
قولهُ: (وَعَلَيْهِ عُقْرُهَا) لِلْمُكَاتَبِ (لِأَنَّهُ) أَيْ؛ لِأَنَّ وَطْأَهُ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِقولهِ فَإِذَا وَطِئَ الْمَوْلَى لَا يَتَقَدَّمُهُ الْمِلْكُ؛ لِأَنَّ مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ: أَيْ حَقِّ الْمَلِكِ كَافٍ لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ لِمَا نَذْكُرُهُ: يَعْنِي مِنْ قولهِ عَقِيبَةَ أَنَّهُ كَسْبُ كَسْبِهِ.
بِخِلَافِ الْأَبِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ مِلْكٍ فِي الْجَارِيَةِ فَيَتَقَدَّمُ مِلْكُهُ إيَّاهَا؛ لِتَصْحِيحِ الِاسْتِيلَادِ فَلَا يَجِبُ الْعُقْرُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أَمَةَ نَفْسِهِ، وَإِذَا وَجَبَ لِنَفْسِ الْمُكَاتَبَةِ الْعُقْرُ إذَا وَطِئَهَا الْمَوْلَى مَعَ ثُبُوتِ حَقِيقَةِ مِلْكِهِ فِيهَا فَلَأَنْ يَجِبَ بِوَطْءِ أَمَتِهَا أَوْلَى، وَأَبْعَدَ شَارِحٌ فَقَالَ: أَيْ لِمَا نَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الْمُكَاتَبِ مِنْ أَنَّهُ يَثْبُتُ لِلْمَوْلَى فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ حَقٌّ مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ ثُبُوتِ حَقٍّ فِي ذِمَّةِ سَيِّدِ أَمَةٍ لَا يُصَحِّحُ اسْتِيلَادَ صَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَقَدْ تَنَاوَلَهُ مِنْ مَكَان بَعِيدِ وَهُوَ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ.
قولهُ: (وَقِيمَةُ وَلَدِهَا) عَطْفٌ عَلَى عُقْرِهَا: أَيْ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْوَلَدِ (لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَغْرُورِ حَيْثُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ) أَيْ الْجَارِيَةَ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ (كَسْبُ كَسْبِهِ فَلَمْ يَرْضَ بِرِقِّهِ) حَيْثُ اعْتَمَدَ دَلِيلًا يُوجِبُ حُرِّيَّتَهُ (فَيَكُونُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ) كَمَا أَنَّ الْمَغْرُورَ بِشِرَاءِ أَمَةٍ اسْتَوْلَدَهَا فَاسْتُحِقَّتْ اعْتَمَدَ دَلِيلًا هُوَ الْبَيْعُ فَجُعِلَ عُذْرًا فِي حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ بِالْقِيمَةِ إلَّا أَنَّ قِيمَةَ الْوَلَدِ هُنَا تُعْتَبَرُ يَوْمَ وُلِدَ، وَقِيمَةُ وَلَدِ الْمَغْرُورِ يَوْمَ الْخُصُومَةِ.
وَالْفَرْقُ أَنَّ الْعُلُوقَ هُنَا حَصَلَ فِي مِلْكٍ لِمَوْلَى وَهُوَ مُقْتَضٍ ثُبُوتَ نَسَبِهِ بِحَقِّ مِلْكِهِ لِمَالِكِهَا إنَّهُ مَحْجُورٌ بِحَجْرٍ شَرْعِيٍّ عَنْهَا فَشَرْطٌ تَصْدِيقُهُ، فَإِذَا جَاءَ التَّصْدِيقُ صَحَّتْ الدَّعْوَى وَثَبَتَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ بِالْقِيمَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا فِي أَقْرَبِ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا الْمَغْرُورُ فَضَمَانُهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ حَبَسَهَا عَنْ صَاحِبِهَا تَقْدِيرًا فَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ يَوْمَ الْحَبْسِ، وَتَحَقُّقُ هَذَا الْحَبْسِ وَالْمَنْعِ إنَّمَا يَكُونُ يَوْمَ الْخُصُومَةِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمَهَا.
(ثُمَّ لَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا حَقِيقَةً كَمَا فِي أُمِّ وَلَدِ الْمَغْرُورِ) الْمَبِيعَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ قولهِ لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ وَبَيْنَ قولهِ إنَّ مَا لَهُ مِنْ الْحَقِّ يَكْفِي لِصِحَّةِ الِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الِاسْتِيلَادِ اسْتِلْحَاقُ الْوَلَدِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ وَصِحَّتُهُ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ، وَأَمَّا ثُبُوتُ أُمُومِيَّةِ الْوَلَدِ لِلْأُمِّ فَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَهُوَ أَكْثَرُهَا دُونَ بَعْضٍ وَلَيْسَ عَيْنًا لِيَلْزَمَ نَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ، ثُمَّ إذَا مَلَكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهَا وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ ثَابِتُ النَّسَبِ قولهُ: (وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُكَاتَبُ فِي النَّسَبِ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْ الْمَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا) أَيْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي أَكْسَابِ مُكَاتَبِهِ (فَلَوْ مَلَكَهُ) أَيْ لَوْ مَلَكَ الْوَلَدَ (يَوْمًا) مِنْ الدَّهْرِ (ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ) وَكَانَ وَلَدًا لَهُ (لِقِيَامِ الْمُوجِبِ) وَهُوَ إقْرَارُهُ بِالِاسْتِيلَادِ، وَزَوَالُ الْمَانِعِ وَهُوَ حَقُّ الْمُكَاتَبِ.
فُرُوعٌ:
رَجُلٌ فَجَرَ بِأَمَةٍ فَوَلَدَتْ ثُمَّ اشْتَرَاهَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ اشْتَرَى الْوَلَدُ عَتَقَ الْوَلَدُ عَلَيْهِ.
وَفِي الْمُحِيطِ: يَجُوزُ إعْتَاقُ أُمِّ الْوَلَدِ وَكِتَابَتُهَا لِتَعْجِيلِ الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَا تَدْبِيرُهَا لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ.
وَفِي جَوَامِعِ الْفِقْهِ: اسْتَوْلَدَ مُدَبَّرَتَهُ بَطُلَ التَّدْبِيرُ وَتُعْتَقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ وَلَا تَسْعَى فِي دَيْنٍ.
وَفِي الْكَافِي: أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ قَالَا فِي صِحَّتِهِمَا هِيَ أُمُّ وَلَدِ أَحَدِنَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا يُؤْمَرُ الْحَيُّ بِالْبَيَانِ دُونَ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْوَرَثَةُ تُخْبِرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِمْ، فَإِنْ قَالَ الْحَيُّ هِيَ أُمُّ وَلَدِي فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَلَا يَضْمَنُ مِنْ الْعُقْرِ شَيْئًا لِأَنَّهُ لِمَا أَقَرَّ بِوَطْئِهَا بَعْدَ مِلْكِهَا فَلَعَلَّهُ اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ قَبْلُ، وَلَوْ قَالَ هِيَ أُمُّ وَلَدِ الْمَيِّتِ عَتَقَتْ صَدَّقَتْهُ الْوَرَثَةُ أَوْ كَذَّبَتْهُ لِأَنَّهُ إنْ صَدَقَ فَهِيَ حُرَّةٌ، وَإِنْ كَذَبَ فَكَذَلِكَ لِإِقْرَارِهِ بِعِتْقِهَا بِمَوْتِهِ، وَلَا سِعَايَةَ لِلْحَيِّ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الضَّمَانَ إنْ كَذَّبُوهُ فِي إقْرَارِهِ، وَإِنْ صَدَّقُوهُ فَقَدْ أَقَرُّوا بِعَدَمِ السِّعَايَةِ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.